تعديلات الاتفاقية الضريبية النموذجية وشروحها لعام ٢٠٢٥
تُعد الاتفاقية النموذجية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD Model Tax Convention on Income and on Capital) المرجع الأساسي الذي تستند إليه غالبية اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي المبرمة بين الدول، كما تمثل التعليقات الرسمية الصادرة عنها أداة تفسيرية ذات أهمية بالغة في تحديد المقصود بأحكام الاتفاقية وآليات تطبيقها. ورغم أن هذه التعليقات لا تتمتع بصفة الإلزام القانوني، فإنها تُعد من أكثر المصادر اعتمادًا في الفقه والقضاء الضريبي الدولي، إذ تسترشد بها السلطات الضريبية والمحاكم وهيئات التحكيم عند تفسير نصوص الاتفاقيات الثنائية. وفي هذا الإطار، اعتمدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تحديث عام ٢٠٢٥ للاتفاقية النموذجية وتعليقاتها، استجابةً للتطورات التي شهدها النظام الضريبي الدولي خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما التوسع في أنماط العمل عن بُعد، وتزايد أهمية الصناعات الاستخراجية، وضرورة تعزيز فعالية آليات تسوية المنازعات الضريبية بين الدول.
تطوير التعليقات على المادة الخامسة الخاصة بالمنشأة الدائمة
احتلت المادة الخامسة المتعلقة بمفهوم المنشأة الدائمة مركز الصدارة في تحديث عام ٢٠٢٥ ، نظرًا لما أثارته التحولات الحديثة في بيئة الأعمال الدولية من تساؤلات بشأن مدى انطباق هذا المفهوم على أنماط العمل الجديدة، ولا سيما العمل عن بُعد. فقد أوضحت التعليقات المحدثة أن ممارسة الموظف لعمله من منزله أو من أي موقع آخر خارج دولة صاحب العمل لا تؤدي، في حد ذاتها، إلى نشوء منشأة دائمة للمؤسسة، وإنما يتعين تقييم الوقائع والظروف المحيطة بكل حالة بصورة منفردة. ويشمل هذا التقييم مدى استمرارية استخدام مكان العمل، ومدى خضوعه لتصرف المؤسسة، وطبيعة الأنشطة التي تمارس فيه، وما إذا كانت هذه الأنشطة تمثل جزءًا جوهريًا من النشاط الاقتصادي للمؤسسة.
وتعكس هذه التعديلات توجه منظمة OECD نحو تبني تفسير أكثر مرونة لمفهوم المنشأة الدائمة، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق الضريبية للدول وعدم إخضاع الشركات متعددة الجنسيات لالتزامات ضريبية غير مبررة نتيجة تغير أساليب أداء العمل. كما تؤكد هذه التعديلات أن معيار “التصرف في المكان” يظل أحد العناصر الجوهرية في تحديد قيام المنشأة الدائمة، وأن مجرد وجود الموظف في دولة معينة لا يكفي بذاته لترتيب هذا الأثر القانوني.
إدراج قواعد اختيارية بشأن أنشطة الموارد الطبيعية
استحدث تحديث عام ٢٠٢٥ حكمًا اختياريًا يتعلق بالأنشطة المرتبطة باستكشاف واستغلال الموارد الطبيعية، وهو ما يعكس إدراك المنظمة للطبيعة الخاصة لهذه الأنشطة مقارنة بغيرها من الأنشطة الاقتصادية. فقد أجازت التعليقات للدول المتعاقدة الاتفاق على قواعد خاصة لتنظيم الاختصاص الضريبي فيما يتعلق بالمشروعات الاستخراجية، مع مراعاة خصوصية هذه الصناعات من حيث طول مدة تنفيذ المشروعات، وضخامة الاستثمارات، وطبيعة الوجود الاقتصادي للشركات الأجنبية داخل الدولة المضيفة.
وتكتسب هذه الإضافة أهمية خاصة بالنسبة للدول الغنية بالموارد الطبيعية، إذ تمنحها مرونة أكبر في تصميم اتفاقياتها الضريبية الثنائية بما يحقق توازنًا بين جذب الاستثمار الأجنبي والمحافظة على حقوقها في فرض الضريبة على الدخل المتولد من استغلال مواردها الطبيعية، دون الإخلال بالمبادئ العامة التي تقوم عليها الاتفاقية النموذجية.
تطوير التعليقات على المادة الخامسة والعشرين الخاصة بإجراءات الاتفاق المتبادل
شملت تعديلات عام ٢٠٢٥ كذلك التعليقات المتعلقة بالمادة الخامسة والعشرين المنظمة لإجراءات الاتفاق المتبادل (Mutual Agreement Procedure)، حيث هدفت منظمة OECD إلى تعزيز فعالية هذه الآلية باعتبارها الوسيلة الأساسية لمعالجة المنازعات الناشئة عن تفسير أو تطبيق اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي. وقد تضمنت التعليقات توضيحات إضافية بشأن العلاقة بين إجراءات الاتفاق المتبادل وبعض الالتزامات الدولية الأخرى، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاتساق بين القواعد الضريبية والالتزامات القانونية الدولية للدول المتعاقدة.
ويعكس هذا التوجه استمرار اهتمام منظمة OECD بتطوير وسائل تسوية المنازعات الضريبية الدولية، خاصة في ظل تزايد المنازعات الناتجة عن اختلاف تفسير الاتفاقيات الثنائية واتساع نطاق المعاملات الاقتصادية العابرة للحدود، الأمر الذي يجعل من إجراءات الاتفاق المتبادل إحدى أهم الأدوات الكفيلة بضمان التطبيق السليم للاتفاقيات الضريبية.
تعزيز الدور التفسيري للتعليقات في ضوء التطورات الاقتصادية الدولية
لم يقتصر تحديث عام ٢٠٢٥ على إدخال تعديلات فنية على بعض المواد، وإنما سعى كذلك إلى إعادة تأكيد الدور التفسيري الذي تؤديه التعليقات في تطبيق الاتفاقية النموذجية. فقد أكدت المنظمة ضرورة تفسير أحكام الاتفاقيات الضريبية في ضوء أهدافها الأساسية، والمتمثلة في منع الازدواج الضريبي، والحد من التهرب والتجنب الضريبي، وتوفير اليقين القانوني للمكلفين والإدارات الضريبية على السواء.
كما أبرزت التعليقات ضرورة مراعاة التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها انتشار الاقتصاد الرقمي، وزيادة الاعتماد على العمل عبر الحدود، واستمرار تنفيذ مخرجات مشروع مكافحة تآكل الوعاء الضريبي وتحويل الأرباح (BEPS)، بما يضمن توافق تفسير الاتفاقيات مع الواقع الاقتصادي المعاصر، ويحد من اختلاف التطبيقات بين الدول.
الآثار العملية لتحديث عام ٢٠٢٥
تنعكس التعديلات الواردة في تحديث عام ٢٠٢٥ على مختلف الأطراف المعنية بتطبيق الاتفاقيات الضريبية الدولية، إذ توفر للإدارات الضريبية إطارًا أكثر وضوحًا لتفسير أحكام الاتفاقيات، كما تساعد الشركات متعددة الجنسيات على تقييم مخاطر قيام منشأة دائمة نتيجة ممارسة أنشطة عبر الحدود أو اعتماد نماذج العمل عن بُعد. كذلك تُسهم هذه التعديلات في تعزيز الأمن القانوني للمستثمرين من خلال تقليل حالات الاختلاف في تفسير الاتفاقيات، وهو ما ينعكس إيجابًا على مناخ الاستثمار الدولي ويحد من المنازعات الضريبية بين الدول.
خاتمة
يمثل تحديث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام ٢٠٢٥ مرحلة جديدة في تطوير الاتفاقية النموذجية وتعليقاتها، إذ جاء استجابة للتحولات الاقتصادية التي شهدها النظام الضريبي الدولي، وسعى إلى توفير تفسيرات أكثر دقة ومرونة لبعض أحكام الاتفاقية، وخاصة ما يتعلق بالمنشأة الدائمة، والموارد الطبيعية، وإجراءات الاتفاق المتبادل. ويؤكد هذا التحديث استمرار الدور المحوري الذي تؤديه تعليقات OECD في توحيد تفسير اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي، وتعزيز اليقين القانوني، ودعم التعاون الضريبي الدولي، بما يحقق قدرًا أكبر من الاتساق والاستقرار في تطبيق قواعد الضرائب الدولية.
للرد على اي استفسار قم بملء النموذج او تواصل معنا على info@eg.andersen.com