Worldwide Locations:

الحزمة الثانية من مبادرة التسهيلات الضريبية في مصر

تُعد السياسة الضريبية من أهم أدوات السياسة المالية التي تعتمد عليها الدول لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث تؤدي دورًا محوريًا في توفير الموارد اللازمة لتمويل الإنفاق العام، وإعادة توزيع الدخل، وتحفيز الاستثمار، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. ومع التطورات الاقتصادية العالمية والإقليمية، أصبحت الأنظمة الضريبية مطالبة بتحقيق التوازن بين زيادة الإيرادات العامة من جهة، وتحسين بيئة الاستثمار ودعم النشاط الاقتصادي من جهة أخرى.

وفي هذا الإطار، شرعت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة في تنفيذ برنامج شامل للإصلاح الضريبي يهدف إلى بناء منظومة ضريبية حديثة تتسم بالكفاءة والشفافية والعدالة، بما يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية. وقد ارتكز هذا البرنامج على تحديث التشريعات الضريبية، وتطوير الخدمات الإلكترونية، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الثقة بين مصلحة الضرائب والممولين.

وجاءت الحزمة الثانية من مبادرة التسهيلات الضريبية استكمالًا للحزمة الأولى، لتؤكد توجه الحكومة نحو تبني فلسفة جديدة في الإدارة الضريبية تقوم على الشراكة مع المجتمع الضريبي، وتشجيع الامتثال الطوعي بدلًا من الاعتماد على الإجراءات العقابية. كما تهدف الحزمة إلى إزالة العقبات التي تواجه المستثمرين، ودعم تنافسية الاقتصاد المصري، وتحفيز دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، بما يسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وزيادة معدلات الاستثمار والنمو.

أهداف الحزمة الثانية للتسهيلات الضريبية

تستهدف الحزمة الثانية تحقيق مجموعة من الأهداف الاقتصادية والمالية والإدارية التي تتكامل فيما بينها لتطوير المنظومة الضريبية المصرية. ويأتي في مقدمة هذه الأهداف تعزيز الثقة المتبادلة بين مصلحة الضرائب والممولين من خلال تبسيط الإجراءات وتقليل النزاعات الضريبية، بما يخلق بيئة أكثر استقرارًا وعدالة.

كما تسعى الحزمة إلى تخفيف الأعباء المالية والإدارية التي تواجه المستثمرين والشركات، وهو ما يسهم في تحسين مناخ الاستثمار وتشجيع القطاع الخاص على التوسع في أنشطته الاقتصادية. ومن الأهداف الرئيسية أيضًا دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي عبر تقديم حوافز تشجع أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة على التسجيل والانضمام إلى المنظومة الضريبية، مما يؤدي إلى توسيع القاعدة الضريبية وزيادة الحصيلة الضريبية بصورة مستدامة.

وتهدف الحزمة كذلك إلى تعزيز التحول الرقمي في الإدارة الضريبية من خلال تطوير الخدمات الإلكترونية، وتقليل الاعتماد على الإجراءات الورقية، وتسريع إنجاز المعاملات، بما يرفع من كفاءة الإدارة الضريبية ويحد من تكاليف الامتثال التي يتحملها الممولون.

أبرز التعديلات التي يمكن أن الحزمة الثانية

اشتملت الحزمة الثانية من مبادرة التسهيلات الضريبية على مجموعة من التعديلات التشريعية والإجرائية التي استهدفت معالجة عدد من الإشكاليات العملية التي ظهرت أثناء تطبيق القوانين الضريبية، مع تبسيط الإجراءات وتحسين بيئة الاستثمار وتعزيز الامتثال الضريبي.

فعلى مستوى ضريبة الدخل، تضمنت الحزمة تعديلًا يقضي باعتبار المساهمة التكافلية من التكاليف واجبة الخصم عند تحديد الوعاء الضريبي، بما يسهم في تخفيف العبء الضريبي عن الشركات وتحقيق قدر أكبر من العدالة عند احتساب الضريبة المستحقة، فضلًا عن وضع آلية لاحتساب تكلفة اقتناء الأوراق المالية غير المقيدة، وتحديد مبلغ ١٠٬٠٠٠ جنيه مصري حدًّا للديون المعدومة التي تقرر تبسيط إجراءات إعدامها واعتمادها ضمن التكاليف واجبة الخصم، إلى جانب إتاحة مد العمل بالمادة الثالثة من القانون رقم ٣٠ لسنة ٢٠٢٣ ليشمل الفترات الضريبية حتى نهاية عام ٢٠٢٥.

أما فيما يتعلق بضريبة القيمة المضافة، فقد تضمنت الحزمة عددًا من التعديلات المهمة، من أبرزها إعفاء الخدمات التي تقدمها الشركات العاملة في الأنشطة المالية غير المصرفية من الضريبة، بما يحقق الحياد الضريبي بين مختلف المؤسسات المالية، إلى جانب إعفاء السلع العابرة (الترانزيت) والخدمات المرتبطة بها من ضريبة القيمة المضافة، دعمًا لدور مصر كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية. كما شملت التعديلات تخفيض الضريبة على بعض الأجهزة والمستلزمات الطبية، ومد العمل بتعليق الضريبة على بعض الآلات والمعدات المستخدمة في الأنشطة الإنتاجية والاستثمارية، بما يسهم في خفض تكلفة الاستثمار وتشجيع التوسع الصناعي.

وفي إطار تطوير النظام الضريبي لسوق رأس المال، تضمنت الحزمة التوجه نحو استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية على تعاملات البورصة بضريبة دمغة نسبية، وذلك بهدف تبسيط المعاملة الضريبية، وتحفيز الاستثمار في سوق الأوراق المالية، وزيادة السيولة داخل البورصة المصرية.

كما اشتملت الحزمة على حوافز موجهة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث أُعلن عن توفير برامج تمويل ميسرة لأول مائة ألف ممول ينضمون إلى النظام الضريبي المبسط، بما يشجع المنشآت غير الرسمية على الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي والاستفادة من المزايا الضريبية والتمويلية.

وفي إطار تحفيز الالتزام الضريبي الطوعي، استحدثت الحزمة “كارت التميز الضريبي” للممولين الملتزمين، والذي يمنحهم عددًا من المزايا، من بينها سرعة الحصول على الخدمات، وأولوية إنهاء الإجراءات، والاستفادة من خدمات الرأي المسبق والدعم الفني، بما يعزز الشراكة بين مصلحة الضرائب والممولين.

وعلى الصعيد الإجرائي والإداري، ركزت الحزمة على استكمال مسيرة التحول الرقمي من خلال تطوير الخدمات الإلكترونية، وتبسيط إجراءات التعامل مع مصلحة الضرائب، وتقليل زمن إنجاز المعاملات والفحص الضريبي، بما يرفع كفاءة الإدارة الضريبية ويحسن جودة الخدمات المقدمة للممولين، ويعزز مناخ الاستثمار في مصر.

التحليل الاقتصادي للحزمة الثانية

تعكس الحزمة الثانية تحولًا في الفكر الضريبي من التركيز على زيادة الحصيلة الضريبية من خلال فرض أعباء إضافية، إلى التركيز على توسيع القاعدة الضريبية وتحسين مستوى الامتثال الطوعي. ويُعد هذا التوجه أحد الأساليب الحديثة في الإدارة الضريبية التي أثبتت نجاحها في العديد من الدول، حيث يؤدي إلى زيادة الإيرادات العامة على المدى الطويل مع تقليل معدلات التهرب الضريبي.

ومن المتوقع أن تسهم الحزمة في تحسين بيئة الاستثمار من خلال تقليل تكاليف الامتثال الضريبي، وتبسيط الإجراءات، وتقديم حوافز للمستثمرين، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على معدلات الاستثمار المحلي والأجنبي. كما أن تخفيف العبء الضريبي على بعض القطاعات الإنتاجية قد يؤدي إلى زيادة الإنتاج، وخلق فرص عمل جديدة، ورفع معدلات النمو الاقتصادي.

ومن ناحية أخرى، فإن تشجيع انضمام المنشآت غير الرسمية إلى الاقتصاد الرسمي يسهم في تحقيق العدالة الضريبية، ويزيد من كفاءة تخصيص الموارد، ويحسن من جودة البيانات الاقتصادية، مما يساعد متخذي القرار على وضع سياسات اقتصادية أكثر دقة وفعالية.

كما يُتوقع أن تؤدي التعديلات المتعلقة بسوق المال إلى تعزيز ثقة المستثمرين، وزيادة حجم التداول، وتحسين قدرة الشركات على الحصول على التمويل من خلال البورصة، وهو ما يدعم النمو الاقتصادي ويزيد من كفاءة الأسواق المالية.

وعلى الرغم من المزايا المتوقعة، فإن تحقيق النتائج المرجوة يتطلب استمرار التنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة، وسرعة إصدار اللوائح التنفيذية، وتطوير البنية التكنولوجية، ورفع مستوى الوعي الضريبي لدى الممولين، بما يضمن التطبيق السليم والفعال لهذه الإصلاحات.

الخاتمة

تمثل الحزمة الثانية من مبادرة التسهيلات الضريبية مرحلة متقدمة في مسيرة الإصلاح الضريبي في مصر، حيث تعكس تحولًا واضحًا نحو بناء منظومة ضريبية أكثر مرونة وكفاءة وعدالة. وتتميز هذه الحزمة بأنها لا تقتصر على تقديم إعفاءات أو تيسيرات ضريبية، وإنما تتبنى رؤية متكاملة تهدف إلى تحسين العلاقة بين الدولة والممولين، وتعزيز الثقة المتبادلة، وتشجيع الاستثمار، ودعم التحول الرقمي، وتوسيع القاعدة الضريبية من خلال دمج الاقتصاد غير الرسمي.

ومن المتوقع أن تسهم هذه الإصلاحات في تحسين تنافسية الاقتصاد المصري، وزيادة جاذبيته للاستثمارات المحلية والأجنبية، وتعزيز الاستدامة المالية للدولة على المدى الطويل. ويعتمد نجاح هذه الحزمة على كفاءة تنفيذها، واستمرار تطوير المنظومة الضريبية، والتفاعل المستمر بين الحكومة والقطاع الخاص، بما يحقق التوازن بين تعظيم الإيرادات العامة وتحفيز النشاط الاقتصادي، ويعزز مسيرة التنمية الاقتصادية الشاملة في جمهورية مصر العربية.

 للرد على اي استفسار قم بملء النموذج او تواصل معنا على  info@eg.andersen.com

Written By

Tax Department

إرسل لنا رسالتك

Posts - Page Form Ar
Newsletter

door