Worldwide Locations:

الضرائب الدولية على إتاوات الخدمات الرقمية

أدى التوسع المتسارع في الاقتصاد الرقمي إلى إعادة تشكيل المبادئ التقليدية التي يقوم عليها توزيع الاختصاص الضريبي بين الدول بموجب اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي. فقد أصبحت نماذج الأعمال الرقمية تعتمد بصورة متزايدة على البرامج والتطبيقات والمنصات الإلكترونية والحوسبة السحابية وغيرها من الأصول غير الملموسة، الأمر الذي جعل حقوق استخدام الملكية الفكرية عنصرًا أساسيًا في عدد كبير من المعاملات العابرة للحدود.

وفي هذا السياق، برزت مسألة تصنيف المقابل المدفوع عن الخدمات الرقمية باعتبارها إحدى أكثر المسائل تعقيدًا في مجال الضرائب الدولية، ولا سيما عندما تتضمن المعاملة منح العميل حق استخدام برنامج أو تطبيق أو منصة رقمية مملوكة لمقدم الخدمة. ففي هذه الحالة قد لا يكون المقابل مجرد ثمن لخدمة فنية أو تجارية، وإنما مقابلًا لاستخدام أصل غير ملموس، بما يقربه من مفهوم الإتاوات الخاضعة للمادة الثانية عشرة من الاتفاقية النموذجية.

ورغم أن تحديث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام ٢٠٢٥لم يستحدث مادة مستقلة للخدمات الرقمية، فإنه أبرز استمرار الاختلاف بين الدول بشأن نطاق الإتاوات، خاصة فيما يتعلق بالبرامج والحقوق غير الملموسة والخدمات الفنية، وهو ما يؤكد أهمية تحليل الحقوق الممنوحة فعليًا للعميل وعدم الاكتفاء بالتسمية الواردة في العقد.

الخدمات الرقمية وإشكالية تصنيف الدخل

تكمن الصعوبة الأساسية في تصنيف الدخل المتولد عن الخدمات الرقمية في أن المعاملة الواحدة قد تجمع بين عناصر خدمية وعناصر مرتبطة بحقوق الملكية الفكرية. فقد يتضمن العقد توفير برنامج إلكتروني، أو تطبيق سحابي، أو منصة رقمية، إلى جانب خدمات التخزين ومعالجة البيانات والدعم الفني والصيانة.  ويكون العامل الحاسم في التكييف الضريبي هو تحديد ما إذا كان العميل يحصل فقط على نتيجة الخدمة، أم يحصل كذلك على حق في استخدام البرنامج أو التكنولوجيا التي تُقدم من خلالها الخدمة.

فإذا اقتصر دور مقدم الخدمة على معالجة البيانات أو تقديم الدعم الفني، دون منح العميل حقًا مستقلًا في استخدام البرنامج أو التحكم فيه، فقد يُنظر إلى المقابل باعتباره من أرباح الأعمال. أما إذا كان العقد يمنح العميل حق الدخول إلى البرنامج واستخدام وظائفه والاستفادة منه خلال مدة معينة مقابل اشتراك أو رسم دوري، فيمكن تبني اتجاه يعتبر هذا المقابل إتاوة، باعتباره مدفوعًا مقابل حق استخدام أصل غير ملموس.

وبناءً على ذلك، لا ينبغي أن يحول وصف العقد بأنه عقد خدمة رقمية دون تطبيق المادة الثانية عشرة، متى كان جوهره الحقيقي منح العميل حق استخدام برنامج أو تطبيق أو منصة محمية بحقوق الملكية الفكرية.

التمييز بين أرباح الأعمال والإتاوات

يقوم التمييز بين أرباح الأعمال المنصوص عليها في المادة السابعة والإتاوات المنصوص عليها في المادة الثانية عشرة على تحليل الطبيعة القانونية والاقتصادية للحقوق التي يحصل عليها العميل.

تُعد المدفوعات من أرباح الأعمال عندما يكون محل العقد أداء نشاط أو تقديم نتيجة محددة، دون منح العميل حقًا في استخدام أصل غير ملموس مملوك لمقدم الخدمة. وفي هذه الحالة لا تخضع الأرباح للضريبة في دولة العميل إلا إذا كان مقدم الخدمة يمارس نشاطه فيها من خلال منشأة دائمة.

أما عندما يكون محل المعاملة منح العميل حق استخدام برنامج أو نظام إلكتروني أو تطبيق أو منصة رقمية، فإن المقابل يرتبط مباشرة بأصل من أصول الملكية الفكرية. ومن ثم يمكن تصنيفه باعتباره إتاوة، حتى لو تم توفير البرنامج عبر الإنترنت أو من خلال بيئة سحابية، ودون تسليم نسخة مادية منه.

ولا يتوقف هذا التكييف على ملكية العميل للبرنامج أو قدرته على إعادة بيعه، وإنما يمكن أن يكفي أن يُمنح حقًا تعاقديًا في استخدامه خلال مدة الاشتراك، بشرط أن يمثل هذا الحق عنصرًا جوهريًا في المقابل المدفوع.

وعليه، فإن معيار التفرقة لا يكون مجرد كون المعاملة مؤتمتة أو مقدمة إلكترونيًا، بل يتمثل في السؤال الآتي: هل يدفع العميل مقابل نتيجة خدمة يقدمها المورد، أم يدفع مقابل تمكينه من استخدام برنامج أو أصل غير ملموس؟

البرمجيات والحوسبة السحابية والخدمات الرقمية المؤتمتة

تثير نماذج البرمجيات كخدمة والحوسبة السحابية والخدمات الرقمية المؤتمتة إشكالية خاصة في التصنيف الضريبي، لأنها تجمع بين إتاحة استخدام البرامج أو الخوارزميات أو المنصات الرقمية، وبين توفير البنية التقنية اللازمة لتشغيلها. ويمكن اعتبار المقابل المدفوع إتاوة متى كان العنصر الأساسي في العقد هو منح العميل حقًا فعليًا وتعاقديًا في استخدام البرنامج أو الأداة الرقمية والاستفادة المستمرة من وظائفها، ولا يغير من ذلك تشغيل البرنامج على خوادم مقدم الخدمة أو عدم تسليم نسخة منه إلى العميل.

وينطبق ذلك على أنظمة تخطيط موارد المؤسسات، وبرامج المحاسبة والموارد البشرية، ومنصات تحليل البيانات، وتطبيقات إدارة العملاء والمبيعات، وبرامج التصميم والهندسة، ومنصات إنشاء المحتوى آليًا، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وبرامج الترجمة والتحليل المؤتمت، وأنظمة التنبؤ وإدارة المخاطر، ومنصات الإعلانات، وأدوات استخراج البيانات وتحليلها. ففي هذه الحالات، لا يكون المقابل مدفوعًا فقط نظير الاستضافة أو صيانة الخوادم أو المعالجة التقنية، وإنما مقابل تمكين العميل من استخدام برنامج أو أداة رقمية تؤدي وظائف محددة داخل نشاطه، بما يقرب المقابل من مفهوم الإتاوات باعتباره مقابلًا لحق استخدام أصل غير ملموس.

أما إذا اقتصرت المعاملة على توفير مساحة تخزين أو قدرة حوسبية أو معالجة بيانات، دون منح العميل حق استخدام برنامج محدد، أو إذا كان العميل لا يتعامل مع الأداة الرقمية ذاتها وإنما يتلقى فقط تقريرًا أو نتيجة نهائية، فقد يكون من الأنسب تصنيف المقابل باعتباره مقابل خدمة أو من أرباح الأعمال، وذلك بحسب طبيعة الحقوق الممنوحة ونص الاتفاقية الضريبية المطبقة.

العلاقة بين الإتاوات والمنشأة الدائمة

يترتب على تصنيف المدفوعات الرقمية باعتبارها إتاوات أثر مهم في توزيع الاختصاص الضريبي. ففي حالة أرباح الأعمال، لا يكون لدولة العميل حق فرض الضريبة على دخل المورد الأجنبي إلا إذا كان له منشأة دائمة فيها.

أما إذا عُد المقابل إتاوة، فقد يكون لدولة المصدر حق فرض ضريبة بطريق الاستقطاع، وفقًا لنص الاتفاقية الثنائية المعمول بها. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في المعاملات الرقمية، لأن مقدم البرنامج يستطيع تحقيق إيرادات كبيرة من دولة معينة دون أن يكون له فيها مكتب أو فرع أو موظفون.

ومن ثم، يؤدي اعتبار المقابل عن حق استخدام البرامج إتاوة إلى منح دولة السوق أو دولة العميل قدرًا من الحق الضريبي، حتى في غياب الوجود المادي لمقدم الخدمة.

ومع ذلك، إذا كان الحق أو الأصل غير الملموس مرتبطًا فعليًا بمنشأة دائمة لمقدم الخدمة في دولة العميل، فقد تُعامل الإيرادات باعتبارها جزءًا من أرباح المنشأة الدائمة، بدلًا من تطبيق أحكام الإتاوات بصورة مستقلة.

المعاملة الضريبية للعقود الرقمية المختلطة وآثارها العملية

قد تتضمن العقود الرقمية عددًا من العناصر المتداخلة، مثل منح ترخيص أو حق استخدام البرنامج، والاستضافة السحابية، والصيانة والتحديثات، والتدريب والدعم الفني، ومعالجة البيانات، والاستشارات الفنية. وفي هذه الحالات، يتعين تحديد العنصر الرئيسي والجوهري في العقد وفقًا لحقيقته القانونية والاقتصادية، وليس استنادًا إلى المسمى الوارد في العقد أو الفاتورة. فإذا كان منح حق استخدام البرنامج هو الغرض الأساسي من التعاقد، وكانت باقي الخدمات تابعة له أو مكملة لتنفيذه، فقد يعامل كامل المقابل، أو الجزء الأساسي منه، باعتباره إتاوة. أما إذا كانت عناصر العقد مستقلة ويمكن تحديد مقابل منفصل لكل منها، فينبغي تقسيم المدفوعات بحسب طبيعتها، بحيث يعامل مقابل حق استخدام البرنامج كإتاوة متى توافرت شروطها، بينما يعامل مقابل الدعم الفني أو الاستشارات باعتباره دخلًا من الخدمات أو أرباح أعمال، ويعامل المقابل المرتبط بالمعدات أو البنية التحتية وفقًا لطبيعة الحق الممنوح وتعريف الإتاوات الوارد في الاتفاقية الضريبية ذات الصلة. وقد أظهر تحديث عام ٢٠٢٥ أن بعض الدول تتبنى نطاقًا موسعًا لمفهوم الإتاوات، قد يشمل استخدام المعدات وبعض الخدمات الفنية والاستشارية وصور التصرف في الحقوق غير الملموسة، مما يجعل الرجوع إلى نص الاتفاقية الضريبية الثنائية أمرًا ضروريًا في كل حالة.

ويؤدي هذا الاتجاه إلى توسيع نطاق المدفوعات الرقمية التي قد تخضع لضريبة الاستقطاع في دولة المصدر، وهو ما يفرض على الإدارات الضريبية فحص العقود الرقمية وتحليل طبيعة الحقوق الممنوحة فعليًا، بدلًا من الاعتماد على أوصاف عامة مثل «خدمات سحابية» أو «اشتراك إلكتروني» أو «دعم فني». كما يتعين على الشركات متعددة الجنسيات التحقق مما إذا كان العميل يحصل على حق استخدام برنامج بصورة مستقلة أم يقتصر دوره على استخدام منصة أو واجهة رقمية لتلقي خدمة يديرها المورد ويتحكم في تشغيلها. ويجب كذلك الفصل بين مقابل الترخيص ومقابل الصيانة والدعم والاستشارات، ومراجعة تعريف الإتاوات في الاتفاقية الثنائية، والتحقق من تطبيق ضريبة الاستقطاع وتوافر شروط المستفيد الفعلي، والاحتفاظ بالمستندات التي توضح طبيعة الحقوق الممنوحة للمستخدم. وتزداد أهمية هذا التحليل عندما يسمح العقد للمستخدم بتثبيت البرنامج على أجهزته أو تشغيله داخل نشاطه أو دمجه مع أنظمته أو التحكم في بعض وظائفه أو إنشاء حسابات متعددة لموظفيه، إذ قد تمثل هذه العناصر مؤشرات على وجود حق استخدام يتجاوز مجرد تلقي خدمة رقمية، مع ضرورة تجنب استخدام أوصاف تعاقدية لا تتفق مع الجوهر الفعلي للمعاملة.

الخاتمة

يقتضي تصنيف الدخل المتولد عن الخدمات الرقمية النظر إلى الجوهر الحقيقي للمعاملة والحقوق التي يحصل عليها العميل. فإذا كان العقد يقتصر على تقديم خدمة أو نتيجة رقمية، دون منح العميل حقًا في استخدام البرنامج أو الأصل غير الملموس، فإن المقابل يكون أقرب إلى أرباح الأعمال الخاضعة للمادة السابعة.

أما إذا انصبت المعاملة أساسًا على منح العميل حق استخدام برنامج أو تطبيق أو منصة رقمية، فإن المقابل يمكن تصنيفه باعتباره إتاوة خاضعة للمادة الثانية عشرة، بصرف النظر عن كون البرنامج مقدمًا عبر الإنترنت أو مستضافًا على خوادم المورد.

وبذلك يصبح حق استخدام البرنامج هو المعيار الأساسي في التفرقة، مع ضرورة فحص نطاق الحق ومدته والقيود المفروضة عليه، وبيان ما إذا كان العميل يحصل على مجرد انتفاع بخدمة رقمية أم على حق تعاقدي في استخدام أصل من أصول الملكية الفكرية.

 للرد على اي استفسار قم بملء النموذج او تواصل معنا على  info@eg.andersen.com

Written By

Tax Department
door