القيمة الاقتصادية للبيانات في تسعير المعاملات
أحدث الاقتصاد الرقمي تحولاً جذرياً في الطريقة التي تخلق بها الشركات متعددة الجنسيات القيمة. ففي حين كانت نماذج الأعمال التقليدية تعتمد على الأصول المادية وحقوق الملكية الفكرية، مثل براءات الاختراع والعلامات التجارية، أصبحت الشركات الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على البيانات لتحسين عملية اتخاذ القرار، وتطوير المنتجات، وتعزيز الكفاءة التشغيلية، والارتقاء بتجربة العملاء. ومع تزايد أهمية البيانات كمصدر رئيسي للربحية، تواجه قواعد تسعير التحويل تحديات متزايدة في تحديد كيفية توزيع العوائد الناتجة عنها بين الشركات المرتبطة داخل المجموعة.
ورغم أن المبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بشأن تسعير التحويل تعترف بمجموعة واسعة من الأصول غير الملموسة، فإنها لا تقدم إرشادات كافية بشأن معالجة البيانات ذات القيمة التجارية. فالبيانات، بخلاف الأصول غير الملموسة التقليدية، تُنشأ بصورة مستمرة من خلال الأنشطة التجارية، وغالباً ما يتم إنتاجها عبر عدة ولايات قضائية، كما أن قيمتها تعتمد على جمعها وتحليلها وتحديثها واستخدامها بشكل متواصل. وهذا يثير تساؤلات مهمة حول ملكية البيانات، وآليات تقييمها، وكيفية توزيع الأرباح الناتجة عنها داخل المجموعات متعددة الجنسيات.
الطبيعة الاقتصادية المميزة للبيانات
تختلف البيانات عن الأصول غير الملموسة التقليدية في عدة جوانب أساسية. فبينما يتم تطوير براءات الاختراع والعلامات التجارية من خلال عمليات محددة وتحظى بحماية قانونية، تُولد البيانات بصورة مستمرة من خلال تفاعلات العملاء، والعمليات التشغيلية، والمنصات الرقمية. كما أن قيمتها تزداد مع تراكم البيانات وتحليلها، ولا سيما عند توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات المتقدم.
ومن الخصائص المهمة أيضاً أن البيانات يمكن استخدامها في الوقت نفسه من قبل عدة جهات داخل المجموعة دون أن يؤدي ذلك إلى استهلاكها أو انخفاض قيمتها. فقد تعتمد إدارات التسويق والمالية واللوجستيات والبحث والتطوير على قاعدة البيانات نفسها في دول مختلفة. إضافة إلى ذلك، فإن قواعد البيانات الكبيرة وعالية الجودة تزداد قيمتها بمرور الوقت نتيجة تحديثها المستمر وتأثيرات الشبكات، مما يجعلها أصلاً اقتصادياً ديناميكياً وليس مجرد أصل فكري ثابت.
البيانات في إطار تسعير التحويل لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
يمكن النظر إلى البيانات في إطار تسعير التحويل بوصفها أحد أهم مصادر القيمة في نماذج الأعمال الرقمية الحديثة، لكنها في الوقت ذاته من أكثر الأصول صعوبة في القياس والتخصيص الضريبي. فإرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقوم على مبدأ السعر المحايد، أي تسعير المعاملات بين الشركات المرتبطة كما لو كانت بين أطراف مستقلة في ظروف قابلة للمقارنة. ويستلزم ذلك تحديد المعاملة الفعلية بدقة، من خلال تحليل الشروط التعاقدية، والوظائف المؤداة، والأصول المستخدمة، والمخاطر المتحملة من كل طرف داخل المجموعة متعددة الجنسيات.
ولا تقتصر قيمة البيانات على مجرد جمعها أو حيازتها قانونياً، بل تنشأ غالباً عبر سلسلة متكاملة من الأنشطة تشمل جمع البيانات، وتنظيفها، وتصنيفها، وربطها بمصادر أخرى، وتحليلها، وحمايتها، ثم استخدامها في تحسين المنتجات أو استهداف العملاء أو تطوير الخوارزميات أو بيع الرؤى التحليلية. وتشير دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول قيمة البيانات إلى أن الرقمنة سمحت بفصل مواقع جمع البيانات وتجميعها وتحليلها وتخزينها واستغلالها، بحيث يمكن تنفيذ كل مرحلة في دولة مختلفة، وهو ما يجعل تحديد مكان خلق القيمة أكثر تعقيداً.
ومن ثم، فإن تطبيق قواعد تسعير التحويل على البيانات يتطلب الانتقال من فكرة “من يملك البيانات قانونياً؟” إلى سؤال أعمق هو: “من يخلق القيمة الاقتصادية المرتبطة بالبيانات؟”. فقد تكون الشركة الأم هي المالكة القانونية لقاعدة البيانات أو للمنصة الرقمية، لكن الشركات التابعة في الأسواق المحلية قد تكون هي التي تجمع بيانات العملاء، وتتحمل تكاليف الامتثال لقوانين الخصوصية، وتدير العلاقة التجارية مع المستخدمين. وفي المقابل، قد تضطلع مراكز التكنولوجيا أو التحليلات بدور جوهري في تحويل البيانات الخام إلى أصل ذي قيمة من خلال نماذج الذكاء الاصطناعي، والتحليلات التنبؤية، وبناء البنية التحتية للمعالجة والتخزين.
وتزداد أهمية هذا التحليل عند تطبيق منطق DEMPE المستخدم في تسعير الأصول غير الملموسة، أي وظائف التطوير، والتعزيز، والصيانة، والحماية، والاستغلال. فإرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تؤكد أن أعضاء المجموعة يجب أن يحصلوا على تعويض يتناسب مع الوظائف التي يؤدونها، والأصول التي يستخدمونها، والمخاطر التي يتحملونها في تطوير الأصول غير الملموسة وتعزيزها وصيانتها وحمايتها واستغلالها. كما أن الملكية القانونية للأصل غير الملموس لا تكفي وحدها للاحتفاظ بالعوائد الاقتصادية إذا كانت كيانات أخرى تؤدي الوظائف الجوهرية أو تتحكم في المخاطر ذات الصلة.
وبتطبيق ذلك على البيانات، يمكن القول إن الكيان الذي يجمع البيانات فقط قد يستحق عائداً روتينياً إذا كان يؤدي وظيفة تشغيلية محدودة ولا يتحمل مخاطر كبيرة. أما الكيان الذي يضع استراتيجية البيانات، أو يطور الخوارزميات، أو يتحكم في جودة البيانات، أو يتحمل مخاطر الأمن السيبراني والامتثال التنظيمي، فقد يكون مؤهلاً للحصول على عائد أكبر لأنه يساهم في خلق القيمة الجوهرية. كذلك، إذا كانت البيانات لا تصبح ذات قيمة إلا بعد دمجها مع بيانات أخرى أو تحليلها باستخدام تكنولوجيا مملوكة للمجموعة، فإن العائد لا ينبغي أن ينسب بالكامل إلى جهة جمع البيانات أو إلى المالك القانوني وحده.
وتبرز هنا عدة مخاطر اقتصادية يجب إدراجها في تحليل تسعير التحويل، منها مخاطر انتهاك الخصوصية، ومخاطر أمن المعلومات، ومخاطر جودة البيانات، ومخاطر عدم الامتثال للقوانين المحلية، ومخاطر فشل النماذج التحليلية أو الخوارزميات في تحقيق نتائج تجارية. فالكيان الذي يتحمل هذه المخاطر فعلياً، ويمتلك القدرة على إدارتها واتخاذ القرارات المرتبطة بها، لا ينبغي معاملته ككيان يؤدي خدمات روتينية فقط. أما إذا كان يتحمل التكاليف شكلياً دون أن يملك سلطة التحكم في المخاطر، فقد يكون من غير المناسب منحه عائداً اقتصادياً كبيراً.
ومن الناحية العملية، قد تختلف طريقة التسعير المناسبة بحسب طبيعة مساهمة كل طرف. فإذا كانت إحدى الشركات التابعة تقدم خدمات جمع بيانات أو دعم فني محدودة، فقد يكون أسلوب التكلفة مضافاً إليها هامش مناسب أكثر ملاءمة. أما إذا كانت البيانات أو التحليلات تمثل أصلاً فريداً يصعب العثور له على معاملات مستقلة قابلة للمقارنة، فقد يكون من الأنسب استخدام أسلوب تقسيم الأرباح، خاصة عندما تكون القيمة ناتجة عن مساهمات متكاملة من عدة كيانات داخل المجموعة. وفي حالات أخرى، إذا وُجدت تراخيص أو معاملات مستقلة قابلة للمقارنة لبيع أو إتاحة قواعد بيانات مشابهة، فقد يُستخدم أسلوب السعر المقارن المستقل، مع مراعاة الفروق في الجودة والحصرية ونطاق الاستخدام والقيود القانونية.
تحديات تسعير التحويل
لا يقتصر التحدي الأساسي في تسعير تحويل البيانات على تحديد سعر مستقل للبيانات ذاتها، بل يتمثل في رسم خريطة دقيقة لسلسلة القيمة الرقمية داخل المجموعة متعددة الجنسيات. ويتطلب ذلك تحديد الأدوار التي تؤديها الكيانات المختلفة، مثل جمع البيانات، ومعالجتها، وتحليلها، وتطوير الأدوات التقنية اللازمة لاستغلالها، إلى جانب تحديد من يتحمل مخاطر الخصوصية والأمن السيبراني ومن يملك حق الاستغلال التجاري للنتائج.
وتزداد أهمية هذا التحليل لأن الملكية القانونية أو التعاقدية للبيانات لا تعكس بالضرورة الجهة التي خلقت قيمتها الاقتصادية. فقد تنشأ القيمة من مساهمات متعددة ومتكاملة، مثل تحسين جودة البيانات، أو دمجها مع مصادر أخرى، أو استخدامها في تطوير الخوارزميات والنماذج التنبؤية. ولذلك، يجب أن يستند توزيع الأرباح إلى الوظائف الاقتصادية الجوهرية والمخاطر الفعلية التي يتحملها كل كيان، لا إلى مجرد الحيازة القانونية للبيانات.
وتُعد عملية توزيع العوائد الناتجة عن البيانات من أبرز التحديات العملية في تسعير التحويل، نظراً لندرة المعاملات المستقلة القابلة للمقارنة وصعوبة الاعتماد على التكلفة كمؤشر للقيمة الحقيقية. وفي الحالات التي تشترك فيها عدة كيانات في خلق القيمة، قد تكون أساليب تقسيم الأرباح، ولا سيما طريقة تقسيم الأرباح المتبقية، أكثر ملاءمة لأنها تعكس الطبيعة المشتركة والمعقدة لنماذج الأعمال الرقمية المعتمدة على البيانات.
الخاتمة
أصبحت البيانات اليوم من أهم الأصول الاقتصادية التي تعتمد عليها الشركات متعددة الجنسيات، الأمر الذي يفرض ضرورة تطوير قواعد تسعير التحويل بما يتناسب مع خصائصها الاقتصادية الفريدة. ورغم أن المبادئ الحالية توفر إطاراً عاماً مناسباً، فإنها لا تعالج بصورة كافية تعقيدات نماذج الأعمال القائمة على البيانات. ولذلك، ينبغي أن يركز تحليل تسعير التحويل مستقبلاً ليس فقط على الملكية القانونية للبيانات، وإنما أيضاً على الوظائف التي تؤدى في جمعها وإدارتها واستثمارها. ومن شأن الاعتراف بالبيانات كأصل اقتصادي غير ملموس مستقل أن يسهم في تحقيق توزيع أكثر عدالة واتساقاً للأرباح، بما يتوافق مع مبدأ السعر المحايد والواقع الاقتصادي للاقتصاد الرقمي.
للرد على اي استفسار قم بملء النموذج او تواصل معنا على info@eg.andersen.com