نظرة على تعديلات ضريبة القيمة المضافة في مصر لعام ٢٠٢٦
في الوقت الذي تسعى فيه الدول إلى تحقيق معادلة شديدة التعقيد بين زيادة الإيرادات العامة وتحفيز النشاط الاقتصادي، تأتي التعديلات الجديدة المقترحة على قانون الضريبة على القيمة المضافة في مصر لتكشف عن توجه مختلف نسبياً في السياسة الضريبية. فبدلاً من الاقتصار على فرض أعباء جديدة على المجتمع الضريبي، حاول المشرع هذه المرة الجمع بين التيسير والتحفيز من جهة، وتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين كفاءة التحصيل من جهة أخرى.
والحقيقة أن قراءة متأنية لمشروع القانون تكشف أن فلسفته الأساسية لا تقوم على زيادة معدلات الضريبة، وإنما على إعادة توزيع العبء الضريبي وتوجيه الحوافز إلى القطاعات التي ترى الدولة أنها قادرة على دعم النمو الاقتصادي والصناعي خلال السنوات القادمة.
دعم الصناعة والإنتاج المحلي
لعل أبرز ما يلفت الانتباه في التعديلات هو التوجه الواضح نحو دعم الاستثمار الصناعي والإنتاج المحلي، فالمشرع يقترح مد فترة تعليق أداء ضريبة القيمة المضافة المستحقة على الآلات والمعدات اللازمة للإنتاج الصناعي من سنتين إلى أربع سنوات كاملة، وهي خطوة ذات أهمية كبيرة للمشروعات الصناعية كثيفة الاستثمار.
فعندما يبدأ المستثمر في إنشاء مصنع جديد، فإنه يتحمل في البداية تكاليف رأسمالية ضخمة قبل أن يحقق أي إيرادات تشغيلية. وكانت الضريبة المستحقة على الآلات والمعدات تمثل في كثير من الأحيان عبئاً مالياً مؤقتاً يضغط على السيولة النقدية للمشروع. أما بعد التعديل، فإن المستثمر سيحصل على فترة زمنية أطول تسمح له بتشغيل المشروع واستقرار الإنتاج قبل حسم موقف الضريبة بشكل نهائي.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل الأجهزة الطبية المستخدمة في الإنتاج الصناعي، مثل أجهزة تصنيع الأدوية والمحاليل الطبية والبلازما والأطراف الصناعية، وهو ما يعكس توجهاً واضحاً نحو توطين الصناعات الطبية وتقليل الاعتماد على الواردات. كما أن منح المنتج المحلي للآلات والمعدات والأجهزة الطبية حق الخصم الضريبي يحقق قدراً أكبر من العدالة التنافسية بين المنتج المصري والمستورد، إذ كان المستورد يتمتع في بعض الحالات بمزايا ضريبية لا يحصل عليها المصنع المحلي.
رسالة دعم قوية للقطاع الصحي
ربما يكون القطاع الصحي هو أكبر المستفيدين من هذه الحزمة التشريعية؛ فخفض الضريبة على الأجهزة الطبية من ١٤٪ إلى ٥٪ يمثل تخفيضاً جوهرياً في تكلفة هذه المعدات، سواء بالنسبة للمستشفيات أو للمراكز الطبية أو للمصانع العاملة في القطاع.
ويكتسب هذا الإجراء أهمية خاصة في ظل الارتفاع العالمي لأسعار المعدات الطبية والتكنولوجيات العلاجية الحديثة، حيث أصبحت تكلفة التجهيز الطبي أحد أكبر التحديات التي تواجه مقدمي الخدمات الصحية، كما أن إعفاء أجزاء ومستلزمات أجهزة الغسيل الكلوي ومرشحات الكلى من الضريبة يعكس بعداً اجتماعياً واضحاً، نظراً لارتباط هذه الأجهزة بعلاج آلاف المرضى بصورة يومية.
ومن المتوقع أن ينعكس ذلك تدريجياً على تكلفة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، أو على الأقل يساهم في الحد من الزيادات السعرية التي كان يمكن أن تحدث في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الاستيراد والتشغيل.
تحويل مصر إلى مركز إقليمي للتجارة واللوجستيات
من بين أكثر التعديلات أهمية من الناحية الاستراتيجية ما يتعلق بالسلع العابرة (الترانزيت)، فالمشروع يقضي بعدم استحقاق ضريبة القيمة المضافة على الخدمات المؤداة للسلع العابرة بين الموانئ المصرية، وذلك أسوة بعدم خضوع السلع نفسها للضريبة. وقد يبدو هذا التعديل فنياً للوهلة الأولى، لكنه في الواقع يحمل أبعاداً اقتصادية كبيرة.
فالدول التي تنافس على أن تصبح مراكز إقليمية للتجارة لا تعتمد فقط على موقعها الجغرافي، وإنما على قدرتها على تقديم خدمات لوجستية منخفضة التكلفة وسريعة الإجراءات.
ومن ثم فإن إزالة العبء الضريبي عن الخدمات المرتبطة بالترانزيت يرفع من تنافسية الموانئ المصرية في مواجهة الموانئ الإقليمية الأخرى، ويشجع شركات الشحن العالمية على استخدام مصر كنقطة عبور رئيسية للبضائع.
تسريع رد الضريبة وتحسين السيولة للشركات
من المشكلات المزمنة التي تواجه العديد من الشركات وجود أرصدة دائنة متراكمة لدى مصلحة الضرائب، ولذلك فإن تقليص مدة رد الرصيد الدائن من ستة أشهر إلى أربعة أشهر يمثل خطوة إيجابية من شأنها تحسين التدفقات النقدية للمشروعات، والأهم من ذلك أن المشروعات الصغيرة التي لا يتجاوز حجم أعمالها عشرين مليون جنيه سنوياً ستحصل على معاملة أكثر تيسيراً، حيث يمكنها استرداد الرصيد الدائن بعد ثلاثة أشهر فقط.
وهذا الإجراء يتماشى مع الاتجاه العالمي نحو دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها المحرك الأساسي للتوظيف والنمو الاقتصادي.
إخضاع الوحدات الإدارية للضريبة
إذا كان الجزء الأكبر من التعديلات يتجه نحو الحوافز، فإن إخضاع تأجير المباني والوحدات الإدارية للضريبة بالسعر العام يمثل أبرز مظاهر توسيع الوعاء الضريبي، فالهدف هنا هو إدخال قطاع واسع من المعاملات الاقتصادية داخل المنظومة الضريبية الرسمية وتحقيق قدر أكبر من الحصر والرقابة.
ورغم أن البعض قد ينظر إلى هذا التعديل باعتباره عبئاً إضافياً، إلا أن المشروع حاول تخفيف أثره من خلال السماح للمكلف بخصم الضريبة إذا كان يمارس نشاطاً خاضعاً للضريبة، أو اعتبارها تكلفة واجبة الخصم عند حساب ضريبة الدخل إذا كان نشاطه لا يتيح الخصم الضريبي. وبالتالي فإن العبء الاقتصادي الحقيقي قد يكون أقل بكثير مما يبدو ظاهرياً.
الطاقة والدعم وإعادة هيكلة الإعفاءات
من أكثر البنود حساسية استبعاد الغاز الطبيعي من قائمة السلع والخدمات المعفاة تمهيداً لإخضاعه لضريبة جدول بفئة عشرين جنيهاً لكل ألف قدم مكعب، ويعكس هذا الإجراء توجهاً حكومياً واضحاً نحو إعادة النظر في بعض صور الدعم الضمني وتحميل المستهلك الاقتصادي جزءاً أكبر من التكلفة الحقيقية للطاقة.
ومن المرجح أن يكون هذا البند من أكثر البنود إثارة للنقاش بين مجتمع الأعمال، نظراً لارتباطه المباشر بتكاليف الإنتاج في العديد من القطاعات الصناعية والخدمية.
الخلاصة
تكشف التعديلات الجديدة على قانون الضريبة على القيمة المضافة عن تحول ملحوظ في الفكر الضريبي المصري. فالحكومة لا تتجه فقط نحو زيادة الإيرادات، وإنما تحاول استخدام السياسة الضريبية كأداة اقتصادية لتحقيق أهداف أوسع تشمل دعم الصناعة، وتشجيع الاستثمار، وتوطين الصناعات الطبية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز مكانة مصر كمركز لوجستي إقليمي.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه التعديلات لن يقاس فقط بالنصوص القانونية، وإنما بمدى قدرة الإدارة الضريبية على تطبيقها بكفاءة وسرعة وشفافية، وبقدرتها على تحويل التيسيرات المعلنة إلى مزايا حقيقية يشعر بها المستثمر والممول على أرض الواقع. فالتشريع الجيد هو البداية، أما الأثر الاقتصادي الحقيقي فيتحدد عند التنفيذ
للرد على اي استفسار قم بملء النموذج او تواصل معنا على info@eg.andersen.com