Worldwide Locations:

إثبات العقود التجارية الدولية في مصر

تمثل العقود التجارية الدولية الركيزة الأساسية لتنظيم حركة التجارة الدولية العابرة للحدود، إذ تشكل الإطار القانوني الذي يحكم العلاقات التعاقدية بين أطراف تنتمي إلى نظم قانونية واقتصادية مختلفة. غير أن خصوصية هذه العقود لا تنبع فقط من طبيعة أطرافها أو محل التعاقد، بل تتجلى بصورة أكثر وضوحًا في قواعد الإثبات التي تحكمها.

فالعقد التجاري الدولي لا يخضع بالضرورة لذات القيود الشكلية أو القواعد التقليدية للإثبات المعمول بها في القوانين الوطنية، وإنما تحكمه فلسفة قانونية متميزة تقوم على المرونة الإجرائية، وسرعة المعاملات التجارية، وتيسير تداول الالتزامات، بما يتلاءم مع متطلبات التجارة الدولية الحديثة. كما أن تعدد الأنظمة القانونية وتباين مصادر القواعد القانونية بين الدول المتعاقدة يفرض تبني نظام إثبات أكثر انفتاحًا واتساعًا.

وفي هذا السياق، برز الدور المحوري لكل من القضاء الوطني والتحكيم التجاري الدولي، إلى جانب الاتفاقيات الدولية، في إرساء مبادئ خاصة لإثبات العقود التجارية الدولية، تسمح بالاعتماد على وسائل إثبات غير تقليدية، وتخفف من الصرامة الشكلية، بما يحقق التوازن بين استقرار المعاملات التجارية وحماية الثقة المشروعة للأطراف، ويواكب في الوقت ذاته التطور المتسارع في المعاملات الدولية.

مبدأ حرية الإثبات في العقود التجارية الدولية

يُعد مبدأ حرية الإثبات في العقود التجارية الدولية من المبادئ الراسخة التي تحكم المعاملات التجارية العابرة للحدود، حيث يقوم هذا المبدأ على إتاحة الإثبات بكافة الوسائل القانونية، سواء كانت كتابية أو إلكترونية أو شفوية أو مستمدة من المراسلات التجارية وسلوك الأطراف، ما لم يوجد اتفاق صريح بين المتعاقدين يقضي باشتراط وسيلة معينة للإثبات، أو يفرض القانون واجب التطبيق شكلاً خاصًا لا يجوز الاتفاق على مخالفته. ويستند هذا الاتجاه إلى الطبيعة الخاصة للعقود الدولية التي تتسم بالتعقيد والتداخل بين أنظمة قانونية متعددة، الأمر الذي يجعل من الصعب إخضاعها للقيود الشكلية التقليدية المقررة في القوانين الداخلية.

وقد اتجهت غالبية التشريعات التجارية المقارنة، فضلًا عن القضاء الوطني وهيئات التحكيم التجاري الدولي، إلى تكريس هذا المبدأ، إدراكًا منها لخصوصية التجارة الدولية التي تعتمد بدرجة كبيرة على التعاقد عن بُعد، وتبادل الرسائل الإلكترونية، والمفاوضات عبر وسائل الاتصال الحديثة، وتعدد العملات واللغات، وتفاوت المراكز القانونية للأطراف. كما أن التشدد في القواعد الشكلية للإثبات من شأنه تعطيل حركة التجارة الدولية والإضرار بمبدأ سرعة المعاملات واستقرارها.

وفي هذا الإطار، استقر القضاء على اعتبار أن العقود التجارية الدولية تخضع في إثباتها لقاعدة حرية الإثبات متى ثبت طابعها التجاري واتصالها بالتجارة الدولية، وذلك بصرف النظر عن قيمة الالتزام محل النزاع، حتى ولو جاوزت الحدود المالية المقررة للإثبات في القوانين المدنية. ويعكس هذا التوجه القضائي رغبة واضحة في تحقيق التوازن بين حماية الثقة المشروعة للأطراف وضمان فعالية المعاملات التجارية الدولية، بما يتلاءم مع متطلبات الاقتصاد العالمي المعاصر

وسائل الإثبات العملية في العقود التجارية الدولية في ضوء اتفاقية فيينا (CISG)

يتأكد مبدأ حرية الإثبات في العقود التجارية الدولية بصورة أوضح عند النظر إلى وسائل الإثبات العملية التي استقر عليها القضاء والفقه والتحكيم الدولي، وفي مقدمتها المراسلات التجارية المتبادلة بين الأطراف، سواء تمت عبر البريد الإلكتروني، أو الخطابات، أو الفاكس، أو تطبيقات التواصل المهني مثل WhatsApp Business، متى دلّت هذه المراسلات على وجود علاقة تعاقدية حقيقية وتضمنت العناصر الجوهرية للاتفاق. وقد استقر الاتجاه القضائي على أن تبادل المراسلات بين شركتين في دولتين مختلفتين، متى عكس تلاقي الإيجاب والقبول وتحديد محل الالتزام، يُعد دليلًا كافيًا على قيام عقد تجاري دولي، ولو لم يُحرر في محرر واحد جامع، وهو ما يتماشى مع الواقع العملي للتجارة الدولية التي تقوم غالبًا على سلسلة من التفاهمات المتراكمة والتصرفات المتبادلة.

كما تكتسب الفواتير وأوامر الشراء الدولية قيمة إثباتية خاصة في نطاق العقود التجارية الدولية، لا سيما إذا تم تنفيذها دون اعتراض، أو قُبلت ضمنيًا من خلال التنفيذ، أو استُخدمت في إجراءات الشحن أو التحويلات البنكية. وقد اعتبر القضاء التجاري أن عدم الاعتراض في الوقت المناسب على الفواتير أو أوامر الشراء يُشكل قرينة قوية على قبول مضمون العقد وشروطه، بما يعكس إرادة الأطراف الضمنية في الالتزام.

ويبرز كذلك الدور المحوري لـ القرائن القضائية في إثبات العقود التجارية الدولية، حيث يُعد تنفيذ العقد كليًا أو جزئيًا، أو فتح اعتماد مستندي، أو تحويل دفعات مقدمة، أو استلام البضائع، أو وجود تعامل سابق منتظم بين الطرفين، قرائن قوية على قيام العلاقة التعاقدية، حتى في غياب محرر مكتوب. وقد استقر القضاء على أن الشروع في تنفيذ الالتزام أو الاستمرار فيه يُعد دليلًا قضائيًا على وجود العقد التجاري الدولي وصحة انعقاده.

ولا يقل أهمية عن ذلك دور الأعراف التجارية الدولية (Lex Mercatoria) في تفسير وإثبات العقود الدولية، بما في ذلك قواعد غرفة التجارة الدولية (ICC)، والإنكوترمز (Incoterms)، وأعراف النقل والشحن، والممارسات البنكية الدولية، حيث اعترف القضاء وهيئات التحكيم التجاري الدولي بهذه الأعراف كمصدر مكمل يسد فراغ الإثبات ويحدد مضمون الالتزامات التعاقدية، خاصة في البيئات العابرة للحدود.

ويتكامل هذا الإطار العملي مع ما قررته اتفاقية فيينا للبيع الدولي للبضائع (CISG)، والتي انضمت إليها جمهورية مصر العربية، إذ أرست مبدأً جوهريًا يتمثل في عدم اشتراط أي شكل خاص لانعقاد أو إثبات عقد البيع الدولي، وأجازت إثباته بكافة وسائل الإثبات، بما في ذلك الشهادة، والاعتداد بالسلوك اللاحق للأطراف. ويعكس هذا التوجه انسجامًا تشريعيًا وقضائيًا دوليًا يهدف إلى تحقيق المرونة، وسرعة المعاملات، واستقرار التجارة الدولية، بعيدًا عن الجمود الشكلي الذي لا يتلاءم مع طبيعة الاقتصاد العالمي المعاصر.

قواعد الإثبات في التحكيم التجاري الدولي ودور قواعد IBA

يتميّز التحكيم التجاري الدولي بمرونة إجرائية واسعة في مجال قواعد الإثبات، تجعله مختلفًا جوهريًا عن القضاء الوطني. فلا يتقيد القاضي التحكيمي بقواعد الإثبات الصارمة المنصوص عليها في القوانين الداخلية، وإنما يعمل وفق مبدأ الاقتناع الحر، ويتمتع بسلطة تقديرية واسعة في قبول الأدلة وتقدير حجيتها، بما يحقق سرعة الفصل وفعالية تسوية المنازعات التجارية الدولية.

وفي هذا السياق، برزت قواعد الإثبات الصادرة عن رابطة المحامين الدولية (IBA Rules on the Taking of Evidence in International Arbitration) كمرجع عملي دولي شائع الاستخدام، إذ تمثل إطارًا إرشاديًا يوازن بين تقاليد القانون المدني والقانون العام، ويهدف إلى تنظيم عملية الإثبات أمام هيئات التحكيم دون المساس باستقلالها أو باتفاق الأطراف.

وتمنح قواعد IBA هيئة التحكيم سلطة إدارة الإثبات بصورة مرنة، فتُجيز قبول مختلف وسائل الإثبات، بما في ذلك المستندات الورقية والإلكترونية، والمراسلات الرقمية، والتقارير الفنية، وشهادة الشهود، والقرائن العملية، متى كانت منتجة في النزاع، مع الالتزام بمبدأ المساواة بين الخصوم وضمان حق الدفاع.

كما نظّمت هذه القواعد آلية طلب تقديم المستندات (Document Production) من خلال نموذج Redfern Schedule، بما يمنع الطلبات التعسفية أو غير المتناسبة، ويتيح في الوقت ذاته الوصول إلى الأدلة الجوهرية، مع مراعاة اعتبارات السرية والامتياز المهني.

وإدراكًا لطبيعة التجارة الحديثة، اعترفت قواعد IBA صراحةً بحجية الأدلة الإلكترونية في التحكيم الدولي، كما أجازت الاستناد إلى السلوك اللاحق للأطراف كقرينة على وجود الالتزام أو تفسيره، وهو ما يعزز الطابع العملي والمرن لإثبات العلاقات التجارية العابرة للحدود.

ولا تُعد قواعد IBA قواعد إلزامية، وإنما تُطبق باتفاق الأطراف أو باختيار هيئة التحكيم باعتبارها من أفضل الممارسات الدولية في الإثبات، وقد أسهم اعتمادها الواسع أمام مراكز التحكيم الكبرى مثل ICC وLCIA وUNCITRAL في ترسيخها كمعيار عملي يحقق التوازن بين الكفاءة الإجرائية وضمانات العدالة.

تقادم الدعاوى في العقود التجارية الدولية في ضوء اتفاقية فيينا والقانون المصري

اتفاقية فيينا للبيع الدولي للبضائع (CISG) لن تنظم مسألة التقادم، إذ يقتصر نطاق تطبيقها على تكوين عقد البيع الدولي والالتزامات الجوهرية المترتبة على عاتق البائع والمشتري وآثار الإخلال بها، دون التعرض لمدة سقوط الدعاوى أو انقضائها بالتقادم. وقد استقر الفقه والقضاء الدوليان على أن مسألة التقادم تُعد من المسائل الخارجة عن نطاق الاتفاقية، وتُحال بشأنها إلى القانون واجب التطبيق وفقًا لقواعد تنازع القوانين أو وفقًا لما يتفق عليه أطراف العقد صراحة. ولا يرد على ذلك استثناء إلا في حال إخضاع العلاقة التعاقدية صراحةً لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التقادم في البيع الدولي للبضائع لسنة 1974 المعدلة ببروتوكول 1980، والتي أقرت مدة تقادم موحدة قدرها أربع سنوات للمطالبات الناشئة عن البيع الدولي.

وفي هذا الإطار، وإذا كان القانون المصري هو القانون واجب التطبيق، فإن التقادم في العقود التجارية يخضع – كأصل عام – لأحكام القانون المدني المصري، ما لم يرد نص خاص يقضي بخلاف ذلك. ووفقًا للقواعد العامة، تتقادم الدعاوى الناشئة عن الالتزامات بمضي خمس عشرة سنة، باعتبارها مدة التقادم الطويل. غير أن المشرّع المصري، تحقيقًا لاستقرار المعاملات وسرعة تداول الحقوق التجارية، قرر مدد تقادم أقصر لبعض المعاملات ذات الطبيعة التجارية الخاصة، وذلك بنصوص صريحة واردة في قانون التجارة رقم 17 لسنة 1999 وغيره من القوانين الخاصة، على نحو ما هو مقرر بالنسبة لدعاوى التجار، والنقل، والسمسرة، والوكالة التجارية.

ويُستفاد من ذلك أن نظام التقادم في العقود التجارية، سواء على الصعيد الدولي أو في ظل القانون المصري، يقوم على مبدأ الإحالة إلى القانون واجب التطبيق، مع إعمال القاعدة العامة للتقادم الطويل في غياب النص الخاص، وتقديم النصوص الاستثنائية متى وُجدت، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق واستقرار المراكز القانونية في المعاملات التجارية العابرة للحدود.

خاتمة

وفي ضوء ما تقدّم، يتضح أن العقود التجارية الدولية تخضع لمنظومة قانونية مرنة في ما يتعلق بـ قواعد الإثبات والتقادم، تتلاءم مع طبيعة التجارة العابرة للحدود وتعدد النظم القانونية. فقد كرّست اتفاقية فيينا للبيع الدولي للبضائع (CISG) مبدأ حرية الإثبات وعدم اشتراط الشكل، مع إحالة مسألة التقادم إلى القانون واجب التطبيق أو إلى اتفاقية التقادم في البيع الدولي للبضائع متى اتجهت إرادة الأطراف إلى ذلك، بما يحقق التوازن بين توحيد القواعد الموضوعية واحترام السيادة التشريعية للدول.

كما يؤكد القانون المصري هذا النهج من خلال إخضاع العقود التجارية، كأصل عام، لقواعد التقادم المنصوص عليها في القانون المدني مع إقرار مدد تقادم خاصة في قانون التجارة والقوانين المكملة، تحقيقًا لـ استقرار المعاملات التجارية وسرعة حسم المنازعات. وفي موازاة ذلك، يوفر التحكيم التجاري الدولي بيئة إجرائية أكثر مرونة في الإثبات، مدعومة بأفضل الممارسات الدولية وعلى رأسها قواعد الإثبات الصادرة عن رابطة المحامين الدولية (IBA)، بما يسمح بالاعتداد بالمراسلات الإلكترونية، والفواتير، والقرائن العملية، والسلوك اللاحق للأطراف.

وعليه، فإن الإحاطة الدقيقة بـ قواعد الإثبات والتقادم في العقود التجارية الدولية تُعد عنصرًا جوهريًا في إدارة المخاطر القانونية، وصياغة العقود الدولية، وتسوية المنازعات التجارية بكفاءة. ويُسهم هذا الفهم المتكامل في تعزيز الأمن القانوني، وضمان حماية الحقوق التعاقدية، وتحقيق العدالة واليقين القانوني في بيئة التجارة الدولية المعاصرة

 للرد على اي استفسار قم بملء النموذج او تواصل معنا على  info@eg.andersen.com

Written By

Maher Milad Iskander - Managing Partner
door