تسعير التحويل و الملكية الفكرية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي
يشهد الاقتصاد العالمي تحوّلًا نوعيًا متسارعًا مع اتساع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ولا سيّما في سياق إنشاء الملكية الفكرية وتطويرها. فالشركات متعددة الجنسيات باتت تعتمد بصورة متزايدة على أنظمة الذكاء الاصطناعي لتطوير البرمجيات، وتصميم المنتجات، وإنتاج المحتوى، بل وابتكار حلول وتقنيات قد تكون قابلة للحماية ببراءات الاختراع، ورغم ما تتيحه هذه التطورات من كفاءة وابتكار غير مسبوقين، فإنها تفرض تحديات معقّدة على تسعير التحويل؛ ذلك بأن الأطر التقليدية تفترض – ضمنيًا وعمليًا – أن الملكية الفكرية تُنشأ وتُدار وتُمتلك بواسطة البشر داخل كيانات محددة، بينما تؤدي الملكية الفكرية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي إلى إرباك هذه الافتراضات، وتفتح الباب أمام أسئلة جوهرية تتعلق بالتقييم، وتحديد المالك الاقتصادي، وتوزيع الوظائف والمخاطر، ومتطلبات الامتثال والحوكمة التنظيمية.
فهم الملكية الفكرية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي
تشير الملكية الفكرية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي إلى الأصول غير الملموسة التي يتم إنشاؤها بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي مع تدخل بشري محدود. وتشمل أمثلة ذلك البرمجيات المكتوبة بشكل مستقل، والخوارزميات، ونماذج التعلم الآلي، والمحتوى الإبداعي، والبيانات أو الأفكار الفريدة التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي. وعلى عكس الملكية الفكرية التقليدية، غالبًا ما تكون ملكية هذه الإبداعات وحقوقها غير واضحة وتختلف حسب التشريعات المحلية.
فبعض الدول تعترف فقط بالمؤلف البشري، بينما بدأت دول أخرى في استكشاف أطر تتضمن الذكاء الاصطناعي. وفي سياق تسعير التحويل، يعقد ذلك عدم اليقين عملية تخصيص العوائد، حيث يصبح من الصعب تحديد الكيان الذي يجب أن يحصل على تعويض مقابل المساهمات الاقتصادية التي تقدمها أنظمة الذكاء الاصطناعي بدلًا من البشر.
التحديات في تسعير التحويل للملكية الفكرية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي
إحدى التحديات الرئيسية تكمن في مسألة الملكية والشخصية القانونية. نظرًا لأن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه امتلاك الملكية الفكرية قانونيًا، فإن الحقوق عادةً ما تُنسب إلى الكيان الذي يمتلك النظام، أو يمول تطويره، أو يتحمل المخاطر الاقتصادية المرتبطة به. وهذا يطرح أسئلة معقدة في تسعير التحويل حول الكيفية التي يجب بها تخصيص العوائد: هل تُمنح للكيان المشغل للنظام، أم للكيان الممول لتطويره، أم يجب توزيعها بين عدة جهات؟ كما يمثل التقييم تحديًا آخر. فالملكية الفكرية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تتميز بإمكانات تجارية متغيرة وغير مؤكدة، ويصعب قياس المساهمة الإضافية للذكاء الاصطناعي مقارنة بالمساهمات البشرية. لذلك، قد لا تكون طرق المقارنة التقليدية كافية، وقد تكون طرق توزيع الأرباح أو تقسيم الأرباح المتبقية أكثر ملاءمة وقابلة للدفاع عنها. بالإضافة إلى ذلك، يعقد توزيع المخاطر عملية تسعير التحويل التقليدية، التي تقوم عادةً على تحديد العوائد وفقًا للوظائف المنفذة والأصول المستخدمة والمخاطر المتحملة. فالذكاء الاصطناعي يغير هذه الافتراضات، حيث يصبح من غير الواضح ما إذا كان يُعتبر أداة أو أصلًا ذو قيمة، ومن يتحمل المخاطر المرتبطة بفشل النظام أو نتائجه غير المتوقعة، وكيفية تقسيم الأرباح بين النظام والمساهمين البشريين. وقد يؤدي سوء توزيع هذه المخاطر إلى تدقيقات ضريبية وتعديلات محتملة.
الأساليب الناشئة في تسعير التحويل للملكية الفكرية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي
لمواجهة هذه التحديات، بدأت الشركات متعددة الجنسيات في استكشاف أساليب بديلة. فقد أصبح النهج القائم على تقسيم الأرباح المتبقية حلاً عمليًا للملكية الفكرية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي التي تفتقر إلى مقارنات سوقية مباشرة. حيث يخصص الأرباح بعد منح عوائد روتينية للجهات التي تؤدي وظائف عادية، مما يسمح بتوزيع العوائد الكبيرة على الجهات المساهمة في القيمة الفريدة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي. كما تبنت بعض الشركات نماذج قائمة على المساهمة الإضافية، تهدف إلى قياس القيمة التي يضيفها الذكاء الاصطناعي مقارنة بالمساهمات البشرية، لضمان أن تعكس عملية توزيع الأرباح جميع المساهمات التشغيلية والاقتصادية. كما أصبح الحفاظ على توثيق شفاف ووافي أمرًا بالغ الأهمية، يشمل تكاليف الاستثمار والتشغيل للأنظمة، وبيانات التدريب، والمنهجية المعتمدة لتوزيع الأرباح والمخاطر، مما يقلل من مخاطر التدقيق ويدعم الموقف الدفاعي في تسعير التحويل.
آفاق تنظيمية واتجاهات مستقبلية
حاليًا، تتعامل إرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مع الملكية الفكرية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي وفقًا لنفس المبادئ المعتمدة على الملكية الفكرية التقليدية، إلا أن هذه التوجيهات في تطور مستمر مع ازدياد انتشار الذكاء الاصطناعي. وقد تؤثر إصلاحات الضرائب في الاقتصاد الرقمي، بما في ذلك مبادرتا BEPS 2.0 وPillar One، على الملكية الفكرية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في سلاسل القيمة الرقمية بشكل كبير. كما أن الاختلافات بين التشريعات المحلية تؤثر على كيفية الاعتراف بمساهمات الذكاء الاصطناعي، مما يخلق مخاطر امتثال وتدقيق للشركات متعددة الجنسيات. ومن المتوقع أن تطلب السلطات من الشركات الكشف بشكل أكثر تفصيلًا عن دور الذكاء الاصطناعي في خلق القيمة، مما يجبرها على قياس وتوثيق وتبرير المساهمات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي في دراسات تسعير التحويل.
اعتبارات عملية للشركات متعددة الجنسيات
يجب على الشركات إعادة تقييم سياسات تسعير التحويل الخاصة بها لتأخذ في الاعتبار الذكاء الاصطناعي كمساهم وظيفي ضمن تحليل الوظائف والأصول والمخاطر. كما يمكن أن تساعد استراتيجيات توزيع الأرباح المرنة، مثل التقسيم المتبقي أو القائم على المساهمة، على استيعاب خصائص الملكية الفكرية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي. ويعد الحفاظ على توثيق مفصل لتطوير وتشغيل الذكاء الاصطناعي وإدارة المخاطر أمرًا بالغ الأهمية، إلى جانب متابعة التغييرات التنظيمية المستمرة. كما يمكن أن يساعد التخطيط الاستراتيجي للشركات على الاستعداد للتدقيقات من خلال نمذجة سيناريوهات توزيع الأرباح المختلفة التي تأخذ في الاعتبار مساهمة الذكاء الاصطناعي.
الخاتمة
لم تعد الملكية الفكرية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي مفهوماً مستقبليًا، بل أصبحت واقعًا قائمًا له آثار عميقة على تسعير التحويل. حيث تتحدى الأطر التقليدية، ويجب على الشركات متعددة الجنسيات التكيف لتخصيص العوائد بشكل عادل، وتوثيق المساهمات بدقة، والدفاع عن مواقفها في تسعير التحويل بفعالية. من خلال تبني نماذج توزيع أرباح مرنة، وقياس مساهمات الذكاء الاصطناعي، وضمان الشفافية، يمكن للشركات التنقل بنجاح في هذا المجال الناشئ. إن دمج الذكاء الاصطناعي في إنشاء الملكية الفكرية العالمية يفرض إعادة التفكير في الافتراضات الأساسية لتسعير التحويل، مما يوفر تحديات امتثال وفرصًا استراتيجية للشركات المبكرة في اقتصاد عالمي يقوده الذكاء الاصطناعي.
للرد على اي استفسار قم بملء النموذج او تواصل معنا على info@eg.andersen.com