Worldwide Locations:

الجوانب القانونية للتسعير التحويلي وتخصيص الأرباح

غالبًا ما يثير انخفاض العبء الضريبي الذي تتحمله بعض الشركات متعددة الجنسيات، رغم تحقيقها إيرادات بمليارات الدولارات، تساؤلات واسعة لدى الرأي العام ويفترض الكثيرون أن هذه النتائج ناتجة عن ممارسات غير قانونية أو تهرب ضريبي مباشر. إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا؛ فالكثير من هذه الممارسات يتم ضمن الإطار القانوني القائم ويتوافق مع قواعد الضرائب الدولية المعمول بها في معظم الدول. ويرجع ذلك إلى الطبيعة الخاصة للنشاط العابر للحدود، واختلاف النظم الضريبية من دولة إلى أخرى، إضافة إلى القواعد التي تنظم كيفية توزيع الأرباح بين شركات المجموعة الواحدة.

تُعد آلية تسعير التحويل الركيزة الأساسية التي تفسر هذه النتائج. فتسعير التحويل ينظم كيفية تحديد الأسعار للمعاملات التي تتم بين الكيانات المرتبطة داخل نفس المجموعة متعددة الجنسيات، ويشمل ذلك معاملات بيع السلع، وتقديم الخدمات، ونقل أو ترخيص حقوق الملكية الفكرية، فضلًا عن الترتيبات التمويلية الداخلية مثل القروض بين الشركات الشقيقة. وبما أن هذه المعاملات لا تتم بين أطراف مستقلة، فإن القوانين الضريبية تتدخل لضمان عدم التلاعب بالأسعار بغرض تحويل الأرباح إلى ولايات ضريبية منخفضة.

ويستند تنظيم تسعير التحويل عالميًا إلى مبدأ السعر المحايد (Arm’s Length Principle)، والذي يقضي بأن تكون شروط المعاملات بين الأطراف المرتبطة مماثلة لتلك التي كانت ستُطبق لو تمت بين أطراف مستقلة في ظروف مماثلة. من الناحية النظرية، يهدف هذا المبدأ إلى تحقيق العدالة الضريبية ومنع تآكل الوعاء الضريبي للدول. إلا أن تطبيقه العملي ينطوي على قدر كبير من التقدير والحكم المهني، لا سيما في ما يتعلق بتسعير الأصول غير الملموسة والخدمات ذات القيمة المضافة العالية.

ورغم أن هذه الممارسات قد تكون قانونية من منظور فني بحت، فإن نتائجها كثيرًا ما تثير جدلًا سياسيًا واجتماعيًا واسعًا، خاصة عندما تُقارن الضرائب المدفوعة فعليًا بالأرباح المحققة أو بالإيرادات الإجمالية. وقد أدى هذا الجدل إلى زيادة الضغوط على الحكومات والمنظمات الدولية، مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لتطوير قواعد أكثر صرامة وتعزيز متطلبات الشفافية والإفصاح. ونتيجة لذلك، أصبح تسعير التحويل اليوم ليس فقط مسألة تقنية ضريبية، بل أيضًا قضية اقتصادية وسياسية محورية في النقاش العالمي حول العدالة الضريبية وتوزيع الحقوق الضريبية بين الدول.

دور الملكية الفكرية ومدفوعات الإتاوة

تُعد الملكية الفكرية ومدفوعات الإتاوة من أكثر الأدوات تأثيرًا التي تستخدمها الشركات متعددة الجنسيات في هيكلة عملياتها الضريبية ونقل الأرباح بين الدول؛ فعادةً ما تحتفظ هذه الشركات بالأصول غير الملموسة عالية القيمة—مثل البرمجيات، وبراءات الاختراع، والعلامات التجارية، وصيغ الأدوية—داخل شركات تابعة تقع في ولايات قضائية ذات معدلات ضريبية منخفضة أو أنظمة ضريبية تفضيلية. ويُنظر إلى هذه الأصول باعتبارها المحرك الرئيسي لتحقيق الأرباح، خاصة في القطاعات المعتمدة على الابتكار والمعرفة.

وبموجب هذا النموذج، تقوم الشركات التابعة العاملة في الدول ذات المعدلات الضريبية المرتفعة بدفع إتاوات مقابل استخدام تلك الأصول الفكرية. وتُعامل هذه المدفوعات كمصروفات قابلة للخصم ضريبيًا، مما يؤدي إلى خفض الوعاء الضريبي في الدول ذات الضرائب المرتفعة، في حين يُخضع دخل الإتاوات للضريبة بمعدلات أقل في الدول التي تحتضن الملكية الفكرية. ونتيجة لذلك، يتم نقل جزء كبير من الأرباح من الدول مرتفعة الضرائب إلى دول منخفضة الضرائب بشكل قانوني من حيث المبدأ.

وتُستخدم هذه الآلية على نطاق واسع في قطاع التكنولوجيا والاتصالات والصناعات الدوائية، حيث تشكل الأصول غير الملموسة الجزء الأكبر من قيمة الشركة. غير أن التحدي الرئيسي يكمن في صعوبة تحديد القيمة العادلة لهذه الأصول، نظرًا لطبيعتها الفريدة وعدم وجود معاملات سوقية مماثلة يمكن الاستناد إليها. هذا الغموض يفتح المجال لاجتهادات واسعة في تسعير الإتاوات وتحديد معدلاتها.

ورغم أن هذه الترتيبات تُعد متوافقة مع القوانين الضريبية الدولية متى التزمت بمبدأ السعر المحايد، فإن الطابع الذاتي لتقييم الملكية الفكرية يمنح الشركات مرونة كبيرة في تبرير مستويات إتاوة قد تؤدي عمليًا إلى تقليص الالتزامات الضريبية المحلية بصورة ملحوظة. ولهذا السبب، تحظى مدفوعات الإتاوة المرتبطة بالملكية الفكرية باهتمام خاص من السلطات الضريبية، وتُعد من أكثر مجالات تسعير التحويل خضوعًا للفحص والتدقيق في المراجعات الضريبية الحديثة.

أتعاب الإدارة كأداة لتوزيع الأرباح داخليًا

تُعد فرض الأتعاب الإدارية ورسوم الخدمات داخل المجموعة استراتيجية شائعة أخرى تلجأ إليها الشركات متعددة الجنسيات في إطار تنظيم عملياتها ونقل الأرباح بين الكيانات التابعة. ففي كثير من الحالات، تقوم هذه الشركات بمركزية عدد من الوظائف الرئيسية—مثل التخطيط الاستراتيجي، وخدمات تكنولوجيا المعلومات، والموارد البشرية، والتسويق، وإدارة المخاطر، أو تنسيق الامتثال التنظيمي—في كيان واحد يُعرف غالبًا بمركز الخدمات المشتركة. ويهدف هذا النهج من الناحية التشغيلية إلى تحقيق الكفاءة وخفض التكاليف من خلال تجميع الخبرات والموارد.

وبموجب هذا النموذج، تقوم الشركات الفرعية العاملة في دول أخرى بدفع رسوم مقابل الاستفادة من هذه الخدمات، وتُعامل تلك الرسوم كمصروفات قابلة للخصم ضريبيًا، مما يؤدي إلى تقليل الدخل الخاضع للضريبة في الدول التي تعمل فيها هذه الشركات الفرعية. وتنتشر هذه الممارسة بشكل خاص في صناعات كثيفة التنظيم والمعرفة، مثل صناعة الأدوية، حيث يتم تركيز الخبراء المتخصصين في تنسيق الأبحاث السريرية أو إدارة الامتثال التنظيمي في كيان واحد يخدم المجموعة بأكملها.

وعلى الرغم من أن القوانين الضريبية تسمح بفرض رسوم مقابل الخدمات التي يتم تقديمها فعليًا وبما يتماشى مع مبدأ السعر المحايد، فإن هذا المجال يظل من أكثر مجالات تسعير التحويل إثارة للجدل. ويبرز الخلاف بشكل خاص عندما تكون طبيعة الخدمات غير واضحة، أو عندما يصعب إثبات تقديمها فعليًا، أو في الحالات التي تكون فيها الرسوم المفروضة مرتفعة بصورة لا تتناسب مع القيمة أو المنفعة الاقتصادية التي تحققها الشركة الفرعية. ونتيجة لذلك، تولي السلطات الضريبية اهتمامًا متزايدًا برسوم الخدمات داخل المجموعة، وتطالب عادةً بوثائق تفصيلية تُثبت طبيعة الخدمات، وآلية تسعيرها، ومدى استفادة كل كيان تابع منها

التمويل الداخلي والفوائد كخصم ضريبي

يُعد التمويل الداخلي من خلال القروض بين الشركات إحدى الآليات المهمة التي يمكن من خلالها نقل الأرباح داخل المجموعات متعددة الجنسيات. فبدلًا من لجوء الشركات الفرعية في الدول ذات المعدلات الضريبية المرتفعة إلى الاقتراض من البنوك أو المؤسسات المالية الخارجية، قد تحصل على تمويل من كيانات مرتبطة ضمن نفس المجموعة تقع في دول منخفضة الضرائب أو تتمتع بأنظمة ضريبية تفضيلية. ويُستخدم هذا الأسلوب غالبًا كجزء من استراتيجية مالية متكاملة تهدف إلى إدارة السيولة وتخفيض تكلفة التمويل على مستوى المجموعة ككل.

وتكمن الأهمية الضريبية لهذا النهج في أن الفوائد المدفوعة على القروض الداخلية تُعد عادةً مصروفات قابلة للخصم ضريبيًا، مما يؤدي إلى خفض الأرباح الخاضعة للضريبة في الدولة المقترِضة. وفي المقابل، يتم إخضاع دخل الفوائد للضريبة بمعدلات أقل في الدولة التي يقع فيها الكيان المُقرِض، وهو ما يسمح بنقل جزء من الأرباح بشكل قانوني من حيث المبدأ. وتنتشر هذه الاستراتيجية بشكل خاص في الصناعات كثيفة رأس المال، مثل الصناعات الدوائية أو التكنولوجية، حيث تتطلب الاستثمارات في مرافق البحث والتطوير أو مراكز البيانات تمويلًا كبيرًا وطويل الأجل.

ورغم أن التمويل الداخلي مسموح به بموجب القوانين الضريبية الدولية، فإنه يخضع عادةً لتدقيق مكثف من قبل السلطات الضريبية. إذ تركز هذه السلطات على التحقق مما إذا كان مستوى المديونية وهيكل التمويل يعكسان ما يمكن أن تقبله شركة مستقلة في ظروف مماثلة، وكذلك ما إذا كان سعر الفائدة يتماشى مع مبدأ السعر المحايد. كما يتم فحص مدى الالتزام بقواعد الحد من خصم الفوائد ومتطلبات رأس المال الرقيق في بعض الدول. وبناءً عليه، يُعد التمويل الداخلي مجالًا حساسًا في تسعير التحويل، ويتطلب توثيقًا وتحليلًا دقيقين لتجنب النزاعات الضريبية والمخاطر التنظيمية.

الامتثال القانوني والجدل المستمر

تُعد هذه الممارسات—سواء المتعلقة بمدفوعات الإتاوة على الملكية الفكرية، أو رسوم الخدمات الإدارية، أو التمويل الداخلي—قانونية في كثير من الحالات لأنها تعمل داخل الإطار الذي ترسمه قواعد الضرائب الدولية، وعلى رأسها مبدأ السعر المحايد. فالقانون الضريبي لا يمنع الشركات من تنظيم عملياتها أو اختيار هياكلها التشغيلية والمالية، طالما أن المعاملات بين الأطراف المرتبطة تتم بشروط مماثلة لما قد تقبله أطراف مستقلة في ظروف مماثلة. ومن هذا المنطلق، يمكن للشركات تبرير خصومات كبيرة أو تحويل أرباح بين الدول إذا كان لديها أساس توثيقي وتحليل اقتصادي يدعم تسعير تلك المعاملات.

ومع ذلك، يظل الجدل قائمًا لأن الأثر الواقعي لهذه الترتيبات قد يؤدي إلى تقليص كبير في حصيلة الضرائب التي تعتمد عليها الحكومات لتمويل الخدمات العامة والبنية التحتية. كما أن هذه النتيجة تخلق في أحيان كثيرة شعورًا بعدم العدالة، إذ لا تمتلك الشركات المحلية—التي تعمل داخل دولة واحدة ولا تملك هياكل دولية معقدة—نفس القدرة على إعادة توزيع الأرباح عبر الحدود، مما يضعها في موقف تنافسي أقل قوة. إضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد على هياكل قانونية ومالية شديدة التعقيد، وعلى تقييمات ذات طابع تقديري (خصوصًا في تسعير الأصول غير الملموسة والخدمات)، يجعل من الصعب على الجهات الضريبية التحقق السريع والحاسم من عدالة التسعير.

ولهذا السبب، اتجهت السلطات الضريبية حول العالم إلى تكثيف التدقيق على معاملات الأطراف المرتبطة، ورفع مستوى متطلبات التوثيق والإفصاح، وتطوير آليات تقييم المخاطر لاختيار الملفات الأكثر عرضة للتلاعب. كما دعمت دول كثيرة مبادرات دولية تهدف إلى الحد من التخطيط الضريبي العدواني وتعزيز الشفافية، مثل مبادرات مكافحة تآكل الوعاء الضريبي وتحويل الأرباح، وتبادل المعلومات بين الإدارات الضريبية، وتوسيع متطلبات التقارير على مستوى المجموعات متعددة الجنسيات. وبذلك، أصبح تسعير التحويل اليوم نقطة تقاطع بين الامتثال القانوني من ناحية، والنقاش السياسي والاجتماعي حول العدالة الضريبية من ناحية أخرى.

الخاتمة

في ضوء ما سبق، يتضح أن تسعير التحويل يمثل أداة قانونية محورية في تنظيم المعاملات بين الشركات المرتبطة داخل المجموعات متعددة الجنسيات، ويؤدي دورًا أساسيًا في توزيع الأرباح بين الدول وفقًا للقواعد الضريبية الدولية، وعلى رأسها مبدأ السعر المحايد. ورغم أن آليات مثل استغلال الملكية الفكرية، وفرض أتعاب الخدمات الإدارية، والتمويل الداخلي تُعد في جوهرها ممارسات مشروعة متى استوفت متطلبات التسعير العادل والتوثيق السليم، فإن آثارها العملية كثيرًا ما تتجاوز الإطار الفني لتصبح محل نقاش اقتصادي وسياسي واسع.

ويبرز التحدي الحقيقي في التوازن بين حق الشركات في تنظيم أعمالها بكفاءة ضمن الحدود القانونية، وحق الدول في حماية أوعيتها الضريبية وضمان عدالة النظام الضريبي. ومع تصاعد التدقيق الضريبي وتطور المبادرات الدولية الرامية إلى مكافحة تآكل الوعاء الضريبي وتحويل الأرباح، أصبح تسعير التحويل مجالًا ديناميكيًا يتطلب من الشركات قدرًا عاليًا من الشفافية والحوكمة والالتزام. وعليه، لم يعد التعامل مع تسعير التحويل مسألة امتثال شكلي فحسب، بل أصبح عنصرًا استراتيجيًا في إدارة المخاطر الضريبية وتحقيق الاستدامة القانونية والمالية للمجموعات متعددة الجنسيات في بيئة ضريبية عالمية تتسم بتزايد التعقيد والتشدد الرقابي.

 للرد على اي استفسار قم بملء النموذج او تواصل معنا على  info@eg.andersen.com

Written By

Transfer Pricing Department
door