Worldwide Locations:

التسعير التحويلي وخلق القيمة بواسطة الذكاء الاصطناعي

شهد العالم في السنوات الأخيرة تطوراً هائلاً في تقنيات الذكاء الاصطناعي، حتى لم يعد مجرد أداة تقنية تستخدم لتحسين بعض العمليات داخل الشركات، بل أصبح عنصراً رئيسياً في خلق القيمة الاقتصادية وتحقيق الإيرادات. فالشركات العالمية أصبحت تعتمد عليه في تطوير المنتجات، وتحليل البيانات، وفهم سلوك العملاء، وتحسين الكفاءة التشغيلية، بل وابتكار نماذج أعمال جديدة بالكامل. ومع هذا التحول، ظهرت تحديات قانونية وضريبية جديدة، لأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد وسيلة مساعدة، وإنما أصبح في كثير من الحالات من أهم مصادر الربح والميزة التنافسية داخل المجموعات متعددة الجنسيات.

وتكمن المشكلة الأساسية في أن قواعد التسعير التحويلي التقليدية، وعلى رأسها مبدأ السعر المحايد المعتمد من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وُضعت للتعامل مع أصول غير ملموسة أكثر وضوحاً وثباتاً، مثل براءات الاختراع أو العلامات التجارية. أما الذكاء الاصطناعي فهو أصل مختلف بطبيعته، لأنه لا يعتمد على عنصر واحد يمكن تحديده بسهولة، بل يقوم على مجموعة مترابطة من الخوارزميات والبيانات والبنية التحتية التقنية والتطوير المستمر والتطبيق التجاري في الأسواق المختلفة. لذلك، فإن القيمة المتولدة عنه لا تنشأ فقط في مرحلة البرمجة أو التطوير، بل قد تنشأ أيضاً من البيانات التي يتم جمعها، ومن مساهمة الأسواق المحلية، ومن الاستخدام المستمر الذي يؤدي إلى تحسين النظام وزيادة كفاءته.

ومن هنا ظهر ما يمكن وصفه بوجود “فراغ في التقييم” داخل قواعد الضرائب الدولية، لأن هذه القواعد لا تواكب بالكامل الطبيعة الديناميكية والمتطورة للذكاء الاصطناعي. فبدلاً من وجود أصل ثابت له مالك واضح ومطور محدد، نجد أنفسنا أمام نظام متجدد تتوزع عناصر قيمته بين أكثر من طرف وأكثر من دولة. ومن ثم أصبح من الضروري إعادة النظر في كيفية تحليل القيمة المتولدة عن الذكاء الاصطناعي لأغراض التسعير التحويلي، ليس فقط من زاوية الملكية القانونية، بل أيضاً من زاوية المساهمة الفعلية في التطوير، وتوفير البيانات، وتحمل المخاطر، والاستغلال التجاري. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية دراسة مدى كفاية القواعد الحالية، والحاجة إلى تطوير منهج أكثر مرونة وقدرة على استيعاب هذا النوع الجديد من الأصول غير الملموسة.

تفكك المفهوم التقليدي لملكية القيمة

في الهياكل التقليدية للشركات متعددة الجنسيات، كان يُنظر إلى الأصول غير الملموسة من خلال الوظائف المرتبطة بها، وبخاصة وظائف التطوير والتعزيز والصيانة والحماية والاستغلال  (DEMPE)، بحيث يُعد الكيان الذي يؤدي هذه الوظائف أو يتحمل تكاليفها هو الأجدر بالحصول على العائد الاقتصادي الرئيسي المتولد عن الأصل. وقد كان هذا المنطق مناسباً إلى حد كبير في حالة البرمجيات التقليدية أو براءات الاختراع، حيث يمكن تحديد المطور أو المالك القانوني للأصل بدرجة من الوضوح. إلا أن هذا التصور يصبح أقل دقة عند التعامل مع الذكاء الاصطناعي، لأن القيمة فيه لا تنشأ من الكود البرمجي وحده، بل من عناصر مترابطة تشمل البيانات، والقدرة الحاسوبية، والتدريب المستمر، والتطبيق الفعلي في الأسواق المختلفة.

وتتضح هذه الإشكالية بصورة أكبر عندما يتم تطوير نموذج الذكاء الاصطناعي في دولة معينة، بينما يعتمد هذا النموذج في تعلمه وتحسنه على بيانات يتم جمعها أو توفيرها من شركة تابعة في دولة أخرى. ففي هذه الحالة، يصعب اعتبار الشركة التابعة مجرد مقدم خدمة روتيني يستحق مقابلاً محدوداً على أساس التكلفة فقط، خاصة إذا كانت البيانات التي تقدمها ذات طبيعة فريدة أو استراتيجية، مثل السجلات الطبية أو بيانات العملاء أو أنماط السلوك الاستهلاكي المحلي. فهنا لا تعود البيانات مجرد عنصر مساعد، بل تصبح جزءاً أساسياً من عملية تكوين أصل غير ملموس عالي القيمة. ومن ثم، فإن تجاهل هذه المساهمة عند توزيع الأرباح قد يؤدي إلى نتيجة لا تعكس الواقع الاقتصادي الحقيقي داخل المجموعة.

ولهذا بدأت السلطات الضريبية في العديد من الدول تتجه إلى التشكيك في النموذج التقليدي القائم على أن الكيان المطور أو المالك القانوني يستحوذ وحده على كامل العائد المتبقي. فمع الذكاء الاصطناعي، لم يعد خلق القيمة محصوراً في مرحلة التطوير الأولي، بل أصبح عملية موزعة قد تشارك فيها كيانات متعددة، كل منها يضيف عنصراً جوهرياً إلى الأصل أو إلى نجاحه التجاري. ومن ثم يتزايد الاتجاه نحو الاعتراف بأن الكيان الذي يساهم ببيانات جوهرية أو ببيئة تشغيلية تسمح للنظام بالتعلم والتحسن قد يكون له حق مشروع في جزء من الأرباح الفائقة الناتجة عن هذا النجاح، وهو ما يعكس تحوّلاً واضحاً في فهم مفهوم “ملكية القيمة” في سياق الاقتصاد الرقمي.

تحدي التعلم المستمر وتأثير تفاعلات السوق

وعلى خلاف البرمجيات التقليدية التي تُعد في الغالب منتجاً شبه مكتمل بمجرد تطويره وطرحه، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة لا تتوقف قيمتها عند لحظة الإطلاق، بل تستمر في التطور من خلال الاستخدام الفعلي والتفاعل المستمر مع المستخدمين. ويظهر ذلك بوضوح في النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) وفي الأنظمة التي تعتمد على التعلم المعزز من خلال التغذية الراجعة البشرية  (RLHF)، حيث تصبح مخرجات الاستخدام اليومي نفسها جزءاً من عملية تحسين النموذج. فكل تفاعل داخل سوق محلي، وكل ملاحظة أو استجابة أو نمط استخدام، قد يسهم في زيادة دقة النظام وكفاءته، بما يعني أن القيمة الاقتصادية لا تُولد فقط في مركز التطوير، بل قد تنشأ أيضاً أثناء الاستغلال التجاري في الأسواق المختلفة.

ومن هنا تبرز مسألة الأصول غير الملموسة المرتبطة بالسوق، أي القيمة التي تنشأ نتيجة وجود المنتج وتفاعله داخل سوق معين. فإذا أدى استخدام نموذج ذكاء اصطناعي في ألمانيا، على سبيل المثال، إلى تحسين أدائه بسبب تفاعلات المستخدمين الألمان وتزويده ببيانات راجعة ذات أثر فعلي في تطويره، فقد ترى السلطات الضريبية الألمانية أن جزءاً من القيمة الاقتصادية المرتبطة بهذا النموذج قد تولد داخل حدودها. وبذلك لا يعود السوق مجرد مكان يتم فيه بيع المنتج أو استغلاله، بل قد يتحول إلى عنصر مساهم في تكوين الأصل غير الملموس نفسه، وفي تعظيم قيمته على المستوى العالمي.

وفي ضوء هذه الطبيعة المتغيرة، يصبح من الصعب الاعتماد على أدوات التسعير التحويلي التقليدية، وبخاصة تلك التي تبحث عن معاملات مماثلة بين أطراف مستقلة، لأن مثل هذه المعاملات غالباً ما تكون نادرة أو غير متاحة في مجال الذكاء الاصطناعي المملوك داخل المجموعات متعددة الجنسيات. ولهذا يبرز الاتجاه نحو طريقة تقسيم أرباح المعاملات (TPSM) بوصفها أكثر ملاءمة لهذا الواقع، إذ تقوم على تجميع الأرباح الإجمالية الناتجة عن منتج الذكاء الاصطناعي، ثم توزيعها بين الأطراف أو الولايات القضائية المختلفة بحسب مساهمة كل منها في خلق القيمة. وفي هذا السياق، لا يقتصر التقييم على الإنفاق على البحث والتطوير، بل يمتد ليشمل حجم البيانات وجودتها، وأهمية حلقات التغذية الراجعة القادمة من الأسواق المحلية، ومدى مساهمة كل عنصر في تحسين النموذج وتعظيم ربحيته.

الاحتكاك التنظيمي

تكمن أكبر مخاطر التدقيق الضريبي للشركات القائمة على الذكاء الاصطناعي في نظام الأصول غير الملموسة التي يصعب تقييمها (HTVI). ونظرًا لأن إمكانات الأرباح المستقبلية لنموذج ذكاء اصطناعي جديد تكون غير مؤكدة للغاية وقت نقله داخلياً، تُمنح السلطات الضريبية صلاحيات “النظر بأثر رجعي”. فإذا نقلت شركة أم نموذج ذكاء اصطناعي إلى شركة تابعة في منطقة ذات ضرائب منخفضة مقابل رسوم رمزية، وحقق هذا الذكاء الاصطناعي لاحقاً طفرة تكنولوجية أدت إلى أرباح ضخمة غير متوقعة، يمكن للسلطات تعديل سعر التحويل بأثر رجعي.

يخلق هذا وضعاً معقداً للشركات متعددة الجنسيات: يجب عليها تسعير التحويل بناءً على البيانات الحالية، ولكن سيتم الحكم عليها من قبل محصل الضرائب بناءً على نجاح مستقبلي لا يمكن التنبؤ به. علاوة على ذلك، يضيف الموقع الفعلي لـ مجموعات وحدات معالجة الرسومات (GPU) وبنية الحوسبة التحتية طبقة أخرى من التعقيد. ومع تشديد متطلبات “الجوهر الاقتصادي” عالمياً، لا يمكن للشركة ببساطة وضع ملكيتها الفكرية في ولاية قضائية ذات ضرائب منخفضة دون إثبات امتلاكها للطاقم الفني والبنية التحتية المادية لإدارة المخاطر الكبيرة المرتبطة بتطوير الذكاء الاصطناعي.

الخاتمة

يتطلب مستقبل التسعير التحويلي للذكاء الاصطناعي الابتعاد عن المحاسبة المنعزلة والتحرك نحو إطار عمل تقني-ضريبي متكامل. للدفاع عن توزيعات أرباحها العالمية، يجب أن تكون الشركات متعددة الجنسيات قادرة على قياس القيمة المضافة التي توفرها مجموعات بيانات محددة، ورسم خريطة للمنشأ الجغرافي للتغذية الراجعة البشرية التي تطور نماذجها. ومع استمرار الذكاء الاصطناعي في إلغاء مركزية خلق القيمة، يتجه العالم الضريبي نحو واقع يُعامل فيه “الذكاء” ليس كمنتج يملكه كيان واحد، بل كأصل تعاوني يُفرض عليه الضريبة حيثما يتعلم وينمو.

 للرد على اي استفسار قم بملء النموذج او تواصل معنا على  info@eg.andersen.com

Written By

Transfer Pricing Department

إرسل لنا رسالتك

Posts - Page Form Ar
Newsletter

door