Worldwide Locations:

القانون رقم ١٣ لسنة ٢٠٢٥ يعيد تعريف المسئولية الطبية في مصر

في خطوة تشريعية تُعد من الأهم في تاريخ القطاع الصحي المصري، صدر القانون رقم ١٣ لسنة ٢٠٢٥ ليعيد بناء منظومة المسئولية الطبية على أسس مؤسسية وعلمية واضحة، بعد عقود شهدت فيها المحاكم تضاربًا في التقييم الفني وتزايدًا كبيرًا في القضايا المتعلقة بالأخطاء الطبية. استند القانون إلى ما نص عليه الدستور المصري في مادته (١٨) بشأن الحق في الصحة، وضرورة رفع جودة الخدمات الطبية وضمان سلامة المريض، ليقدم إطارًا شاملاً يُوازن بين حقوق المرضى وحقوق مقدمي الخدمة على حدّ سواء.

إعادة تعريف المفاهيم الأساسية للمسئولية الطبية

أعاد القانون صياغة عدد من المفاهيم التي كانت مثار خلاف عملي وقضائي لسنوات طويلة. فقد وسّع تعريف “المهن الطبية” ليشمل جميع القائمين على تقديم الرعاية الصحية، من الأطباء إلى أطقم التمريض والفنيين، بما يعكس الطبيعة الجماعية الحديثة لممارسة الطب. كما قدم تعريفًا شاملًا لـ “الخدمة الطبية”، بحيث تمتد لكل ما يتلقاه المريض أثناء الفحص أو العلاج أو الإقامة داخل المنشأة.

وشهد تعريف «الخطأ الطبي» تحولًا جوهريًا؛ إذ أصبح القانون يميز صراحة بين الخطأ العادي والخطأ الجسيم، في ابتعاد واضح عن النهج القديم الذي كان يدرج كثيرًا من الحالات ضمن نطاق «القتل الخطأ» وفق المادة (٢٣٨) من قانون العقوبات. كما اعترف المشرّع ولأول مرة بالمضاعفات الطبية المعروفة علميًا، باعتبارها تطورات محتملة لا تُرتب مسئولية طالما التزم الطبيب بالأصول العلمية، وهو ما يمثل حماية حقيقية للممارسين.

وأعطى القانون للموافقة المستنيرة مكانة محورية بوصفها ركنًا أساسيًا للعلاقة العلاجية، مشترطًا أن تكون مكتوبة وواضحة وشاملة لكافة المخاطر المحتملة، مع وضع بدائل قانونية في حال فقدان المريض للأهلية.

ضوابط مُحكمة للممارسة الطبية الآمنة

أسّس القانون لمجموعة من القواعد الإلزامية التي تُعَد بمثابة “دستور مهني” للممارسة الطبية. وتشمل الالتزام بالأصول العلمية الثابتة، والتوثيق الدقيق لكل إجراء طبي، وتسجيل التاريخ المرضي قبل بدء العلاج، وتنظيم التدخلات الجراحية وفق شروط خاصة تتعلق بتجهيز المنشأة وتأهيل الفريق الطبي والموافقة المستنيرة. كما وضع المشرّع محظورات واضحة؛ من بينها تجاوز حدود الترخيص أو الامتناع عن علاج الحالات الطارئة أو انتهاك سرية البيانات الطبية.

هذه الضوابط تؤسس لبيئة علاجية أكثر انضباطًا، وتقلل من احتمالات النزاع، وتمنح الأطباء إطارًا واضحًا يستندون إليه في ممارسة أعمالهم.

اللجنة العليا للمسئولية الطبية… خطوة مؤسسية طال انتظارها

من أبرز ما جاء به القانون إنشاء اللجنة العليا للمسئولية الطبية برئاسة رئيس مجلس الوزراء، لتكون الجهة الفنية المختصة بالفصل في الشكاوى المتعلقة بالأخطاء الطبية. تضم اللجنة خبرات طبية وقانونية وإدارية متنوعة، وتستعين بلجان فرعية تُجري الفحص والتحقيق الفني خلال 30 يومًا، مع إمكانية التمديد.

وتملك هذه اللجان سلطة اقتراح التسوية الودية، ويمنح الاتفاق الناتج عنها قوة السند التنفيذي، الأمر الذي يخفض العبء عن المحاكم ويوفر حلًا سريعًا وعادلًا للنزاعات. كما يشدد القانون على ضمانات النزاهة والحياد وسرية العمل، وإلزام أعضاء اللجان بالتنحي عند وجود أي تضارب مصالح.

بهذه الآلية، ينتقل تقييم الأخطاء الطبية من التقدير الفردي إلى نظام مؤسسي قائم على العلم والخبرة المتخصصة.

نظام تأميني شامل لتعويض الأضرار الطبية

يمثل إنشاء صندوق التأمين على الأخطاء الطبية أحد أكثر عناصر القانون تطورًا. فقد وضع المشرّع لأول مرة منظومة تأمينية تُغطي حالات الوفاة والعجز والإصابات الجسدية الناتجة عن الخطأ الطبي. ويعد الاشتراك في الصندوق شرطًا لتجديد التراخيص المهنية للمنشآت والأطباء، بما يضمن استدامة الحماية المالية للمرضى، ويُجنب العاملين في القطاع الطبي التعرض لأعباء مالية قد تؤثر على ممارسة المهنة.

كما يتيح القانون الحصول على التعويض من خلال التسوية الودية أو بموجب حكم قضائي نهائي، مما يوفر آلية عادلة وسريعة للحماية.

منظومة عقابية متدرجة تحقق التوازن

تقوم فلسفة العقوبات في القانون الجديد على التمييز بين مستويات الخطأ. فالخطأ العادي يُعاقب بالغرامة، بينما يُعد الخطأ الجسيم جريمة قد تصل عقوبتها إلى الحبس خمس سنوات وغرامة تصل إلى مليوني جنيه. ويمتد نطاق المسئولية ليشمل الإدارة الفعلية في المنشآت الطبية إذا ثبت علمها بالمخالفة أو تقصيرها في منع وقوعها.

في المقابل، شدد القانون الحماية على العاملين بالقطاع الصحي ضد الاعتداءات اللفظية والمادية، وجرّم البلاغات الكيدية، ومنح مساحة واسعة للصلح حتى بعد صدور حكم نهائي، حفاظًا على مستقبل الممارسين عند وقوع أخطاء غير متعمدة.

خاتمة

يمثل القانون رقم ١٣ لسنة ٢٠٢٥ نقطة تحول تشريعية كبرى، إذ وضع أساسًا علميًا وقانونيًا جديدًا لإدارة العلاقة بين المريض ومقدمي الخدمة الطبية، وربط بين متطلبات سلامة المريض وضمانات الطبيب، وخلق منظومة متكاملة للتقييم الفني والتعويض والردع. وبذلك يفتح الباب أمام مرحلة أكثر كفاءة وعدالة في القطاع الصحي المصري، تعتمد على المهنية والانضباط والشفافية.

 للرد على اي استفسار قم بملء النموذج او تواصل معنا على  info@eg.andersen.com

Written By

Maher Milad Iskander - Managing Partner
door