Worldwide Locations:

نظرة ثاقبة عن جريمة التشهير في مصر

يعد التشهير قضية قانونية مهمة في مصر، حيث يؤثر على الأفراد والشركات والشخصيات العامة. وقد أدى التأثير المتزايد لمنصات الاتصالات والإعلام الرقمية إلى جعل قوانين التشهير أكثر أهمية، حيث يمكن أن تنتشر البيانات الكاذبة بسرعة وتسبب أضرارًا جسيمة في السمعة والأضرار المالية. وعلى عكس العديد من الأنظمة القانونية الغربية، ومصر تعتبر التشهير جريمة مدنية وجنائية، مما يعني أن الشخص المتهم بالإدلاء بتصريحات تشهيرية قد يواجه عقوبات مالية والسجن.

تقدم هذه المقالة تحليلاً قانونيًا مفصلاً عن التشهير في مصر، مع التركيز على التعريفات القانونية والتشريعات ذات الصلة والعواقب المدنية والجنائية ومنظور مقارن بقوانين التشهير في المملكة المتحدة.

المفاهيم القانونية للتشهير في القانون المصري

التعريف القانوني للتشهير في مصر:

بموجب القانون المصري، يحدث التشهير عندما يقوم شخص ما عمدًا بإدلاء بيان كاذب يضر بسمعة شخص آخر، ويمكن أن يتخذ هذا الشكل:

  • القذف- التصريحات التشهيرية المنطوقة، بما في ذلك الإهانات والإيماءات اللفظية.
  • التشهير – التصريحات التشهيرية المكتوبة أو المنشورة، بما في ذلك المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي والمقالات الإخبارية والمدونات والإعلانات العامة.

لا يفرق قانون التشهير المصري بين التشهير الشخصي (ضد الأفراد) والتشهير العام (ضد السياسيين أو الشخصيات العامة أو الشركات). ومع ذلك، غالبًا ما تحمل قضايا التشهير العام عواقب قانونية أكثر قسوة، وخاصة عندما تكون موجهة إلى المسؤولين الحكوميين أو القضاة أو سلطات إنفاذ القانون.

على عكس بعض الأنظمة القانونية حيث تتطلب قضايا التشهير إثبات الضرر الملموس، لا تتطلب المحاكم المصرية دائمًا إثبات الخسارة المالية. إن مجرد حقيقة أن البيان يضر بكرامة الشخص أو مكانته الاجتماعية يمكن أن تكون كافية لتوجيه تهمة التشهير.

الإطار القانوني الذي يحكم التشهير في مصر

تخضع قوانين التشهير المصرية لعدة قوانين، والتي تحدد بشكل جماعي التشهير، وتضع العقوبات، وتنظم تطبيقه في السياقات الجنائية والمدنية.

١. قانون العقوبات المصري (القانون رقم ٥٨ لسنة ١٩٣٧):

يعامل قانون العقوبات التشهير باعتباره جريمة جنائية، مما يعني أن الشخص المتهم بالإدلاء بتصريحات تشهيرية يمكن أن يواجه السجن والغرامات. تشمل المواد الرئيسية التي تحكم التشهير ما يلي:

  • المادة ٣٠٢- تعرف التشهير بأنه فعل نسب شيء ما إلى شخص كذباً بطريقة تضر بشرفه أو سمعته.
  • المادة ٣٠٣- تحدد العقوبات الجنائية للتشهير، بما في ذلك الغرامات والسجن المحتمل.
  • المادة ٣٠٦- تجرم الإهانات والقذف العلني، حتى لو لم يتم نشر التصريح التشهيري كتابةً.
  • المادة ٣٠٨- يفرض عقوبات أشد عندما يتهم البيان التشهيري شخصًا بنشاط إجرامي، مما يزيد من عقوبة السجن المحتملة.

٢. القانون المدني المصري:

بالإضافة إلى العقوبات الجنائية، يمكن لضحايا التشهير رفع دعاوى مدنية يطلبون فيها تعويضات مالية عن الضرر الذي لحق بسمعتهم. يسمح قانون المسؤولية التقصيرية المصري للمدعين بالمطالبة بالتعويض عن الضيق العاطفي، والضرر الذي لحق بالسمعة المهنية، والخسائر المالية الناتجة عن التصريحات التشهيرية.

٣. قانون تنظيم الصحافة والإعلام (القانون رقم ١٨٠ لسنة ٢٠١٨):

ينظم هذا القانون التشهير في الصحافة المطبوعة والرقمية، ويحمل وسائل الإعلام المسؤولية عن نشر بيانات كاذبة تضر بالسمعة. كما يحدد المسؤوليات القانونية للصحفيين والقيود المفروضة على ما يمكنهم نشره عن الأفراد والشركات والمسؤولين العموميين.

٤. قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات  (القانون رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨):

يوسع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات نطاق قوانين التشهير لتشمل المنصات الإلكترونية، مما يسمح باتخاذ إجراءات قانونية ضد الأفراد الذين ينشرون محتوى تشهيريًا على:

  • وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تويتر، إنستغرام، تيك توك، إلخ.)
  • المدونات والمنتديات الإلكترونية
  • المواقع الإخبارية والمنشورات الرقمية

يجرم هذا القانون فعل نشر معلومات كاذبة ومضرة عبر الإنترنت، مما يجعل مصر واحدة من أكثر الأنظمة القانونية صرامة في المنطقة عندما يتعلق الأمر بالتشهير الرقمي.

المسؤولية الجنائية عن التشهير في مصر

نظرًا لأن التشهير جريمة جنائية في مصر، فإن الشخص المتهم بالإدلاء بتصريحات تشهيرية يمكن أن يواجه الملاحقة القضائية، وغرامات تتراوح من ٥٠٠٠ إلى و٣٠٠٠٠ جنيه مصري (حوالي١٦٠ إلى ٩٦٠ دولارًا أمريكيًا)، والسجن لمدة تصل إلى عامين. إذا اتهم البيان التشهيري الضحية زورًا بنشاط إجرامي، يمكن أن تزيد العقوبة إلى ثلاث سنوات سجنًا. تعتمد شدة العقوبة على طبيعة البيان التشهيري، ومكانة الضحية، ونية المدعى عليه.

١. عناصر التشهير الجنائي:

لمقاضاة قضية التشهير بنجاح، تتطلب المحاكم المصرية عادةً إثبات ما يلي:

  • كان البيان كاذبًا.
  • تم الإدلاء بالبيان علنًا أو مشاركته مع طرف ثالث.
  • أضر البيان بسمعة الضحية.
  • تصرف المدعى عليه بنية خبيثة أو تجاهل متهور للحقيقة.

٢. العقوبات الجنائية للتشهير:

بموجب المادة ٣٠٣ من قانون العقوبات، قد يواجه الشخص المدان بالتشهير ما يلي:

  • غرامات تتراوح بين ٥٠٠٠ و٣٠٠٠٠ جنيه مصري (ما يعادل١٦٠ إلى ٩٦٠ دولار أمريكي تقريبًا).
  • السجن لمدة تصل إلى عامين.
  • غرامة وسجن في القضايا المشددة.

إذا اتهم البيان التشهيري الضحية بنشاط إجرامي، تزداد العقوبة إلى ثلاث سنوات سجنًا بموجب المادة ٣٠٨.

٣. التشهير ضد الموظفين العموميين:

يوفر القانون المصري حماية قانونية إضافية للموظفين العموميين، مما يعني أن قضايا التشهير التي تشمل وزراء الحكومة والقضاة وموظفي إنفاذ القانون وغيرهم من السلطات الحكومية تحمل عقوبات أشد. ويهدف هذا إلى منع الاتهامات الكاذبة التي تقوض الثقة العامة في المؤسسات الحكومية.

المسؤولية المدنية عن التشهير: التعويض عن الضرر الذي يلحق بالسمعة

بصرف النظر عن الملاحقة الجنائية، يمكن لضحايا التشهير في مصر رفع دعاوى مدنية سعياً للحصول على تعويض مالي عن الضرر الذي يلحق بسمعتهم. ويسمح القانون المدني المصري للمدعين برفع دعاوى للمطالبة بالتعويضات الاقتصادية والأخلاقية، وذلك حسب ظروف القضية.

١. الأسس القانونية لدعاوى التشهير المدني:

للفوز بقضية تشهير مدنية، يجب على المدعي إثبات ما يلي:

  • كان البيان التشهيري كاذبًا.
  • أضر البيان بسمعته بطريقة تسببت في ضرر شخصي أو اجتماعي أو مالي.
  • تصرف المدعى عليه بإهمال أو بقصد خبيث.

٢. أنواع التعويض المتاحة في قضايا التشهير المدني:

قد تمنح المحاكم المصرية تعويضات مالية في قضايا التشهير المدني بناءً على شدة التشهير وتأثيره على الضحية. يمكن أن يشمل التعويض الأضرار المعنوية، والتي تشمل الضرر الذي يلحق بالكرامة الشخصية، والضيق العاطفي، والضرر الذي يلحق بالمكانة الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمدعين المطالبة بتعويضات اقتصادية عن الخسائر المالية التي تكبدوها بسبب الضرر الذي لحق بسمعتهم، وخاصة في البيئات التجارية أو المهنية حيث قد يؤدي التشهير إلى ضياع الفرص أو تقليص المصداقية. وعلى عكس بعض الأنظمة القانونية التي تقتصر التعويضات على الخسائر المالية المباشرة، يسمح القانون المصري للمدعين بالسعي إلى الحصول على تعويضات عن الضرر الملموس وغير الملموس، مما يضمن حصول الضحايا على تعويض كامل عن الضرر الذي لحق بسمعتهم ورفاهتهم.

الإجراءات القانونية لقضايا التشهير في مصر

يمكن متابعة قضايا التشهير في مصر من خلال المحاكم الجنائية والمدنية، اعتمادًا على طبيعة وخطورة الدعوى. نظرًا لأن التشهير يصنف على أنه جريمة جنائية وخطأ مدني، فإن الضحايا لديهم خيار تقديم شكاوى جنائية للمقاضاة أو طلب تعويض مالي من خلال التقاضي المدني. تختلف العملية القانونية بناءً على المسار المختار، وفي كثير من الحالات، يتم تنفيذ كلا النوعين من القضايا في وقت واحد.

١. رفع دعوى تشهير جنائية:

تبدأ قضية التشهير الجنائية في مصر بتقدم الضحية (المدعي) بشكوى إلى سلطات إنفاذ القانون أو النيابة العامة. تتبع الخطوات القانونية بشكل عام هذه العملية:

  • تقديم الشكوى: يقدم المدعي شكوى رسمية إلى المدعي العام، موضحًا فيها التصريحات الكاذبة المقدمة ضده، والضرر الذي تسبب فيه، وأي دليل متاح (مثل التسجيلات أو البيانات المكتوبة أو الاتصالات الرقمية).
  • التحقيق القضائي: يراجع المدعي العام القضية لتحديد ما إذا كانت الشكوى تفي بالتعريف القانوني للتشهير بموجب المواد ٣٠٢-٣٠٨ من قانون العقوبات. إذا اعتُبرت القضية صحيحة، يتم فتح تحقيق.
  • استدعاء المتهم: إذا وجد المدعي العام أدلة كافية، يتم استدعاء المتهم (المتهم) للاستجواب وإعطائه فرصة لتقديم دفاعه.
  • إجراءات المحاكمة الجنائية: : إذا تحرك الادعاء، يتم إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية، حيث يستمع القاضي إلى أدلة الطرفين وشهادة الشهود والحجج القانونية.
  • الحكم والعقوبة: إذا ثبتت إدانته، فقد يواجه المتهم غرامات (تتراوح من ٥٠٠٠ و٣٠٠٠٠ جنيه مصري) أو السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات في القضايا المشددة.

غالبًا ما تسير قضايا التشهير الجنائي بسرعة نسبية. في الحالات التي تجد فيها المحكمة أدلة غير كافية، قد يتم رفض الشكوى دون اتخاذ أي إجراء آخر.

٢. رفع دعوى تشهير مدنية:

على عكس قضايا التشهير الجنائية، تركز دعاوى التشهير المدنية على التعويض المالي عن الضرر الذي لحق بسمعة المدعي أو كرامته أو مصالحه التجارية. تتبع الدعوى المدنية الخطوات التالية:

  • رفع دعوى مدنية: يقدم المدعي بيانًا بالدعوى إلى محكمة مدنية، يحدد طبيعة التشهير والضرر الذي لحق به ومقدار التعويض المطلوب.
  • عبء الإثبات: يجب على المدعي إثبات ما يلي:
    • أدلى المدعى عليه ببيان كاذب ومضر.
    • أضر البيان بسمعته أو تسبب في ضرر شخصي أو مالي.
    • تصرف المدعى عليه بإهمال أو خبث.
  • إجراءات المحكمة: تقوم المحكمة بتقييم الأدلة الوثائقية وشهادة الخبراء وبيانات الشهود لتقييم صحة الدعوى. يجوز للمدعى عليه محاولة إثبات أن بيانه كان صحيحًا أو رأيًا أو مبررًا بالمصلحة العامة.
  • التعويض الممنوح: إذا حكمت المحكمة لصالح المدعي، فقد يُطلب من المدعى عليه دفع تعويضات مالية، تشمل:
    • الأضرار المعنوية عن الضيق العاطفي والإضرار بالسمعة.
    • الأضرار الاقتصادية عن الخسائر المالية التي تكبدها بسبب التشهير.

الدفوع ضد دعاوى التشهير في مصر

يمكن للمتهمين في قضايا التشهير الاعتماد على عدة دفاعات قانونية، ولكن القانون المصري يوفر حماية أقل لحرية التعبير مقارنة بالولايات القضائية مثل المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة. تشمل الدفوع الأكثر شيوعًا ما يلي:

  • الحقيقة (الدفاع المحدود): على عكس معظم الدول الغربية، حيث الحقيقة هي دفاع مطلق، لا تزال المحاكم المصرية قد تدين المتهم إذا كان البيان، حتى لو كان صحيحًا، قد تم إجراؤه بقصد خبيث أو بدون سبب مشروع.
  • حسن النية والمصلحة العامة: إذا تمكن المتهم من إثبات أن بيانه تم بحسن نية ولصالح المصلحة العامة، فقد يتم تبرئته. ومع ذلك، تطبق المحاكم المصرية هذا الدفاع بشكل ضيق للغاية.
  • الرأي مقابل الحقيقة: إذا كان البيان رأيًا شخصيًا وليس ادعاءً واقعيًا، فقد لا يُعتبر تشهيرًا. ومع ذلك، لا يزال من الممكن معاقبة الآراء المهينة أو المسيئة بموجب القانون المصري.
  • موافقة المدعي: إذا وافق المدعي مسبقًا على نشر البيان، فيجوز للمدعى عليه أن يزعم أنه لم يحدث أي ضرر.

يميل القانون المصري إلى تفضيل حماية الكرامة الفردية والنظام الاجتماعي على حقوق حرية التعبير الواسعة، مما يعني أن المتهمين في قضايا التشهير يواجهون مخاطر قانونية كبيرة.

الاستئناف وتنفيذ الأحكام

تسمح قضايا التشهير الجنائية والمدنية بالاستئناف. إذا أدين المتهم في محكمة جنائية، فيمكنه تقديم استئناف إلى محكمة أعلى، بحجة وجود أخطاء إجرائية، أو نقص الأدلة، أو الحكم المفرط. وبالمثل، يمكن الطعن في الأحكام المدنية التي تمنح تعويضات من خلال عملية الاستئناف إذا كان المتهم يعتقد أن الأضرار مفرطة أو غير مبررة.

بمجرد الانتهاء من حكم التشهير المدني، يمكن للمدعي تنفيذ الحكم من خلال آليات التنفيذ في المحكمة المصرية، والتي قد تشمل مصادرة الأصول أو الأجور إذا رفض المتهم دفع التعويض.

الخلاصة

إن قانون التشهير في مصر صارم ويعاقب بشدة، ويعامل التصريحات الكاذبة والمضرة باعتبارها جريمة جنائية وخطأ مدني. وعلى عكس العديد من الولايات القضائية الغربية حيث يعتبر التشهير في المقام الأول مسألة مدنية، فإن القانون المصري يسمح بالملاحقة الجنائية والغرامات وحتى السجن لمن تثبت إدانتهم بالإدلاء بتصريحات تشهيرية. والإطار القانوني الذي يحكم التشهير واسع النطاق، ويغطي الاتصالات الشفهية والمكتوبة والرقمية، مع لوائح إضافية لوسائل الإعلام والمنصات عبر الإنترنت.

يمكن أن تؤدي قضايا التشهير الجنائية إلى السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات وعقوبات مالية كبيرة، وخاصة عندما يتعلق البيان التشهيري بشخصيات عامة أو اتهامات بسلوك إجرامي. من ناحية أخرى، تمكن دعاوى التشهير المدنية الضحايا من المطالبة بتعويض مالي عن الضرر الذي يلحق بالسمعة والضيق العاطفي والخسائر المالية. لا تتطلب المحاكم المصرية دائمًا إثبات الضرر الاقتصادي، مما يجعل من الأسهل على المدعين النجاح في دعاوى التشهير القائمة على فقدان الكرامة والمكانة الاجتماعية وحدها.

ومع استمرار نمو الاتصالات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، من المرجح أن تصبح قضايا التشهير أكثر شيوعًا، وخاصة في المجال عبر الإنترنت. مع توسيع نطاق المسؤولية القانونية عن الجرائم الإلكترونية في مصر لتشمل المنصات الإلكترونية ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، يتعين على الأفراد والشركات توخي الحذر عند الإدلاء بتصريحات عامة. يوفر الإطار القانوني الحالي حماية قوية لضحايا التشهير، ولكنه يفرض أيضًا عواقب وخيمة على المدانين، مما يجعل الوعي بقوانين التشهير أمرًا ضروريًا لأي شخص يشارك في الخطاب العام في مصر.

 للرد على اي استفسار قم بملء النموذج او تواصل معنا على  info@eg.andersen.com

Written By

Joseph Iskander - Attorney-at-law

إرسل رسالتك

Posts - Page Form Ar
Newsletter

door