Worldwide Locations:

تحليل المقارنة المعيارية والواقع الاقتصادي في مصر

تُعدّ تحليلات المقارنة المعيارية عنصرًا جوهريًا في منظومة توثيق تسعير المعاملات، إذ تمثل الأداة الأكثر شيوعًا لإثبات الالتزام بمبدأ السعر المحايد المنصوص عليه في القوانين الضريبية الوطنية وإرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما تُعدّ في كثير من الأحيان نقطة الانطلاق الأساسية لأي دراسة تسعير معاملات متكاملة. غير أن التجربة العملية التي أفرزتها أعمال الفحص الضريبي خلال السنوات الأخيرة، وبوجه خاص في الاقتصادات الناشئة مثل مصر، كشفت عن حدود هذا النهج عندما يُطبّق بصورة منفصلة عن الواقع الاقتصادي الفعلي للنشاط محل الفحص. فقد أظهرت الممارسة العملية أن نتائج المقارنة المعيارية، مهما بدت متماسكة من الناحية الفنية أو الإحصائية، قد تفقد قيمتها الدفاعية متى افتقرت إلى ارتباط حقيقي بطبيعة النشاط التشغيلي، وهيكل اتخاذ القرار، ومكان خلق القيمة داخل المجموعة.

وقد أثبتت ممارسات مصلحة الضرائب المصرية أن الاعتماد الشكلي على إدراج نطاقات ربحية مستخلصة من قواعد البيانات لا يكفي وحده لحماية الممول من التعديلات الضريبية، خاصةً في الحالات التي تتعارض فيها تلك النتائج مع المؤشرات الاقتصادية الواقعية. فمتى انفصلت نتائج المقارنة المعيارية عن الدور الفعلي الذي يضطلع به الكيان المحلي، أو عن مستوى المخاطر التي يتحملها ويُسيطر عليها عمليًا، أو عن ظروف السوق التي يعمل في إطارها، تصبح الدراسة عرضة للتشكيك وربما الرفض الكامل. وفي هذا الإطار، لم يعد السؤال الجوهري في الفحص الضريبي يتمحور حول ما إذا كانت الأرباح تقع داخل نطاق المقارنة، بقدر ما أصبح ينصبّ على مدى تعبير هذه الأرباح عن القيمة الاقتصادية التي يتم خلقها محليًا.

ومن هذا المنطلق، تسعى هذه المقالة إلى تسليط الضوء على مواطن القصور البنيوية في الدراسات القائمة على المقارنة المعيارية، وتحليل أسباب تحوّل بوصلة الفحص الضريبي من التركيز على النطاقات الرقمية المجردة إلى فحص الجوهر الاقتصادي للنشاط، بما يشمل السلوك الفعلي للأطراف المرتبطة، وآليات التحكم في المخاطر، والاتساق بين النتائج المالية والواقع التشغيلي. كما تهدف إلى إبراز الحاجة إلى تبنّي مقاربة أكثر تكاملًا في إعداد دراسات تسعير المعاملات، توازن بين المتطلبات الشكلية للتوثيق والاعتبارات الاقتصادية الواقعية التي باتت تحكم تقييم مصلحة الضرائب المصرية لهذه الدراسات.

المقارنة المعيارية وحدودها العملية

تقوم المقارنة المعيارية، لا سيما عند تطبيق الأساليب القائمة على الربحية مثل أسلوب صافي هامش المعاملة  (TNMM)، على افتراض نظري مفاده إمكانية تحديد نطاق ربحي محايد يعكس شروط التعامل بين أطراف مستقلة، وذلك من خلال مقارنة نتائج الأطراف المرتبطة بنتائج شركات مستقلة يُفترض أنها تمارس وظائف مماثلة وتتحمل مستويات متقاربة من المخاطر. ويُعدّ هذا الافتراض حجر الأساس في كثير من دراسات تسعير المعاملات، إذ يوفّر إطارًا منهجيًا يسمح بقياس مدى اتساق نتائج المعاملات البينية مع مبدأ السعر المحايد. غير أن هذا الإطار، رغم اتساقه النظري، يواجه في التطبيق العملي قيودًا جوهرية تحدّ من دقته وقدرته على تمثيل الواقع الاقتصادي الفعلي.

فمن ناحية، تعتمد قواعد بيانات المقارنة المعيارية في الغالب على بيانات مالية تاريخية تعكس أوضاعًا اقتصادية سابقة، ولا تأخذ بالضرورة في الاعتبار التطورات الاقتصادية الراهنة، لاسيما في بيئات تتسم بارتفاع معدلات التضخم، وتقلبات أسعار الصرف، وتغيرات سريعة في تكاليف التشغيل وهيكل السوق. ويؤدي هذا الاعتماد على بيانات متأخرة زمنيًا إلى فجوة بين النتائج المستخلصة من المقارنة المعيارية وبين الظروف الفعلية التي يعمل في ظلها الكيان محل الفحص خلال سنوات الفحص الضريبي.

ومن ناحية أخرى، فإن ندرة الشركات المستقلة التي تتطابق وظائفها ومخاطرها بشكل حقيقي مع الطرف محل الفحص تفرض على معدّي الدراسات اللجوء إلى افتراضات واسعة بشأن قابلية المقارنة، سواء من حيث طبيعة النشاط، أو نطاق المسؤوليات، أو مستوى المخاطر التي يتم تحملها أو التحكم فيها. وغالبًا ما تُفضي هذه الافتراضات إلى توسيع دائرة المقارنة على حساب الدقة الاقتصادية، بما يجعل النتائج أقرب إلى تقدير تقريبي منها إلى انعكاس فعلي للواقع التشغيلي. ويزداد هذا القصور وضوحًا في الحالات التي يكون فيها الكيان محل الفحص جزءًا من نموذج أعمال معقّد أو يؤدي دورًا متخصصًا داخل المجموعة لا تجد له نظيرًا واضحًا بين الشركات المستقلة.

وفي ضوء ما سبق، قد تُسفر المقارنة المعيارية عن نتائج تبدو متماسكة شكليًا من حيث المنهج والإطار الفني، إلا أنها تظل قاصرة عن التعبير الدقيق عن الدور الحقيقي الذي يؤديه الكيان محل الفحص داخل المجموعة، وعن مدى مساهمته الفعلية في خلق القيمة. وهو ما يفسّر تزايد تحفظات جهات الفحص الضريبي تجاه الدراسات التي تكتفي بعرض نتائج المقارنة المعيارية دون ربطها بتحليل اقتصادي أعمق يعكس طبيعة النشاط، وحدود المخاطر، والظروف الفعلية للسوق الذي يعمل فيه الكيان الخاضع للفحص.

أوجه القصور الشائعة في دراسات تسعير المعاملات

تُظهر خبرات الفحص لدى مصلحة الضرائب المصرية أن العديد من دراسات تسعير المعاملات تعاني من معالجة آلية للمقارنة المعيارية، حيث يتم التعامل معها باعتبارها الغاية النهائية للدراسة وليس كأداة ضمن تحليل اقتصادي أشمل. ففي كثير من الحالات، ينصب التركيز على استخراج نطاقات ربحية إحصائية من قواعد البيانات وإثبات وقوع نتائج الطرف الخاضع للفحص داخل هذا النطاق، دون تقديم تفسير اقتصادي يربط هذه النتائج بطبيعة النشاط الفعلي أو بالدور الحقيقي الذي يؤديه الكيان داخل المجموعة. وغالبًا ما ينعكس هذا القصور في تحليلات الوظائف والمخاطر، التي تأتي بصياغات عامة أو نمطية تستند إلى الترتيبات التعاقدية الرسمية، دون فحص فعلي للسلوك العملي، أو تحديد دقيق للجهة التي تملك سلطة اتخاذ القرار، أو الطرف الذي يتحمل المخاطر الاقتصادية ويتحكم فيها فعليًا على أرض الواقع.

ويزداد هذا القصور وضوحًا عندما تُظهر الكيانات الموصوفة بأنها محدودة المخاطر نتائج مالية لا تتسق مع هذا التوصيف، مثل تحقيق خسائر متكررة أو تسجيل هوامش ربح مستقرة على نحو غير معتاد، رغم عملها في أسواق تتسم بدرجة عالية من التقلب وعدم اليقين. كما أن تجاهل العوامل المحلية المؤثرة، مثل ظروف السوق المصري، والضغوط التنظيمية، والتغيرات الحادة في تكاليف التشغيل الناتجة عن التضخم وتقلبات أسعار الصرف، يؤدي إلى دراسات تبدو منفصلة عن السياق الاقتصادي الحقيقي. وفي مثل هذه الحالات، ترى مصلحة الضرائب المصرية أن النتائج المالية تشكل قرينة على وجود خلل جوهري في الدراسة، وهو ما يضعف مصداقيتها ويفتح المجال لإعادة توصيف النشاط أو تعديل النتائج وفقًا لما تراه الجهة الضريبية معبّرًا عن الجوهر الاقتصادي الفعلي.

منظور مصلحة الضرائب المصرية وتداعياته

في ضوء هذه الممارسات، تتجه مصلحة الضرائب المصرية بشكل متزايد إلى تبنّي نهج يقوم على تغليب الجوهر على الشكل، بحيث لم يعد تقييم دراسات تسعير المعاملات يقتصر على التحقق من وقوع النتائج داخل نطاقات المقارنة المعيارية من عدمه، بل أصبح يمتد إلى فحص أعمق لمدى اتساق هذه النتائج مع القيمة الاقتصادية التي يتم خلقها فعليًا داخل مصر. وفي هذا الإطار، تولي جهة الفحص أهمية خاصة لدراسة الدور الحقيقي الذي يضطلع به الكيان المحلي داخل المجموعة، ومدى مساهمته في توليد الإيرادات، واتخاذ القرارات الجوهرية، والتحكم في المخاطر. وباتت النتائج المالية تُقيَّم في ضوء هذا الدور، لا بوصفها أرقامًا مجردة، وإنما كمؤشر على مدى واقعية التوصيف الوظيفي المعتمد في الدراسة.

وعندما ترى مصلحة الضرائب المصرية أن مستوى الربحية المحقق لا يتناسب مع الدور الاقتصادي المحلي أو مع طبيعة المخاطر التي يتحملها الكيان فعليًا، فإنها لا تتردد في اتخاذ إجراءات تصحيحية قد تصل إلى إعادة توصيف الكيان محل الفحص أو تعديل هامش الربحية إلى مستويات أعلى داخل نطاق المقارنة، بما في ذلك الوسيط أو الربع الأعلى. كما تمتد هذه التعديلات في كثير من الحالات إلى استبعاد بعض المصروفات البينية، وعلى رأسها أتعاب الإدارة والخدمات، متى تبيّن عدم تحقق المنفعة الاقتصادية الفعلية منها أو عدم وجود دليل كافٍ على ارتباطها بالنشاط المحلي. وتؤدي هذه التوجهات إلى تعريض الممولين لمخاطر ضريبية متزايدة، تشمل فروقًا ضريبية جوهرية، وغرامات، وفوائد تأخير، فضلًا عن الدخول في نزاعات ضريبية مطوّلة تفرض أعباء مالية وإدارية كبيرة على الشركات الخاضعة للفحص.

نحو دراسات تسعير معاملات أكثر اتساقًا مع الواقع

في هذا السياق، يتضح أن المقارنة المعيارية لم تعد تمثل سوى عنصر واحد ضمن منظومة دفاع أوسع يجب أن تستند إلى تحليل اقتصادي متكامل يعكس الواقع الفعلي للنشاط محل الفحص. فالدراسات القادرة على الصمود أمام الفحص الضريبي لم تعد تلك التي تكتفي بإثبات التوافق الشكلي مع نطاقات المقارنة، بل تلك التي تنجح في إقامة رابط واضح ومتماسك بين النتائج الرقمية من جهة، والوظائف الفعلية التي يؤديها الكيان المحلي من جهة أخرى، مع تقديم تصور دقيق لكيفية اتخاذ القرارات الجوهرية وآليات التحكم في المخاطر الاقتصادية. ويُعد هذا الربط عنصرًا حاسمًا في إقناع جهة الفحص بأن النتائج المالية ليست وليدة مصادفة رقمية، وإنما تعبير منطقي عن الدور الحقيقي الذي يضطلع به الكيان داخل المجموعة.

كما تكتسب قدرة الدراسة على تفسير النتائج غير المعتادة أهمية خاصة في هذا الإطار، إذ إن توضيح أسباب الخسائر المتكررة أو التقلبات الحادة في الربحية، وربطها بعوامل اقتصادية ملموسة، مثل تغيرات الطلب، أو ضغوط التكلفة، أو ظروف السوق المحلية، يعزز من مصداقية الدراسة ويحد من فرص الطعن عليها. فكلما استطاعت دراسة تسعير المعاملات تقديم سرد اقتصادي متماسك يفسر الانحرافات عن المتوسطات أو الأنماط المتوقعة، كلما ازدادت قدرتها على مواجهة تحفظات مصلحة الضرائب المصرية، وتقليص مخاطر إعادة التوصيف أو التعديل الضريبي المبني على تصور مختلف للجوهر الاقتصادي للنشاط.

الخلاصة

تظل المقارنة المعيارية عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه في دراسات تسعير المعاملات، غير أنها لم تعد كافية بمفردها كوسيلة دفاع ضريبي في ظل التطور الملحوظ في ممارسات الفحص الضريبي في مصر. فقد بات القبول الضريبي للدراسة مرهونًا بمدى قدرتها على عكس الواقع الاقتصادي الفعلي للنشاط محل الفحص، وإظهار درجة الاتساق بين مستوى الربحية المحققة من جهة، والقيمة التي يتم خلقها فعليًا داخل السوق المحلي من جهة أخرى. ولم يعد مجرد الالتزام الشكلي بالنطاقات المعيارية المستخلصة من قواعد البيانات كافيًا لإقناع جهة الفحص، متى غاب الربط المنطقي بين الأرقام المعروضة والدور الاقتصادي الحقيقي للكيان الخاضع للفحص.

ومن ثم، فإن دراسات تسعير المعاملات التي تنجح في الدمج بين التحليل الفني الدقيق، والسرد الاقتصادي المتماسك، والفهم العميق للسياق المحلي، تظل الأقدر على مواجهة فحوصات مصلحة الضرائب المصرية والحد من مخاطر التعديل أو إعادة التوصيف. أما الدراسات التي تتعامل مع المقارنة المعيارية باعتبارها غاية في حد ذاتها، دون إحاطتها بتحليل اقتصادي يعكس السلوك الفعلي للأطراف المرتبطة والظروف التي يعملون في إطارها، فتظل عرضة للتشكيك ولا توفر الحماية الكافية أمام اتجاهات الفحص الحديثة التي باتت تعلي من شأن الجوهر الاقتصادي على حساب الشكل الإجرائي.

 للرد على اي استفسار قم بملء النموذج او تواصل معنا على  info@eg.andersen.com

Written By

Transfer Pricing Department
door