التسعير التحويلي وخلق القيمة في مصر
أصبح التسعير التحويلي قضية محورية في الضرائب الدولية والحوكمة المؤسسية للمؤسسات المتعددة الجنسيات. فلا يقتصر الموضوع اليوم على الامتثال الإجرائي فحسب، بل يمتد إلى أسئلة أساسية حول كيفية خلق القيمة وتوزيعها وفرض الضرائب عليها داخل المجموعات الشركاتية العاملة عبر ولايات قضائية مختلفة. تنطلق هذه الدراسة من الإطار النظري والعملي المتوافر في إرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول التسعير التحويلي للشركات المتعددة الجنسيات والإدارات الضريبية (٢٠٢٢)، والتي تشكل الإجماع الدولي السائد على تطبيق مبدأ القيمة السوقية في المعاملات بين الشركات ذات العلاقة.
مبدأ القيمة السوقية والجوهر الاقتصادي
في جوهرها، تُلزم إرشادات OECD الشركات بتسعير المعاملات بين الأطراف المرتبطة كما لو كانت بين أطراف مستقلة تعمل في ظروف مماثلة، وهو ما يُعرف بـ مبدأ القيمة السوقية. وتشدد الإرشادات على أن ناتج التسعير يجب أن يعكس النشاط الاقتصادي الحقيقي الذي تقوم به الكيانات المعنية، وأن تخصيص الأرباح يجب أن يتماشى مع المساهمات الفعلية لكل طرف داخل المجموعة.
تؤكد الإرشادات أن تعريف المعاملة يجب أن يستند إلى السلوك الفعلي وليس فقط إلى الشروط التعاقدية، وأن توزيع الأرباح يجب أن يعكس المساهمات القيمة والفريدة لكل طرف، حتى عندما لا توجد مقارنات خارجية دقيقة للوظائف أو الأصول المعنية
تحليل الوظائف والأصول والمخاطر كأساس للتسعير
يمثل تحليل الوظائف والأصول والمخاطر (FAR Analysis) أحد الأسس المنهجية في إرشادات OECD يعيد هذا التحليل بناء الخصائص الاقتصادية للمعاملات بين الشركات من خلال تحديد الأنشطة الفعلية التي تنفذها كل جهة، والأصول المستخدمة أو المساهمة بها، والمخاطر التي تتحملها. وفي ضوء ذلك، ترى الإرشادات أن الكيانات التي تسهم في وظائف جوهرية أو تتحمل مخاطر كبيرة ينبغي أن تحصل على عوائد تتناسب مع تلك المساهمات. وهذا يؤكد أن التسعير التحويلي يجب أن يستند إلى الجوهر الاقتصادي وليس إلى الشكل القانوني وحده.
الأصول غير الملموسة وخلق القيمة
تمثل الأصول غير الملموسة — مثل الملكية الفكرية، والعلامات التجارية، والتكنولوجيا واحدة من أكثر المجالات تعقيدًا في التسعير التحويلي. وتعكس إرشادات OECD، ولا سيما التطورات المرتبطة بتنفيذ أعمال BEPS ٨–١٠، أن العوائد المرتبطة بالأصول غير الملموسة ينبغي أن تخصّص للجهات التي تمارس أنشطة التطوير والتحسين والصيانة والحماية والاستغلال (DEMPE). وتؤكد الإرشادات أن تقييم الأصول غير الملموسة يجب أن يأخذ في الحسبان مساهمات الكيانات والمخاطر التي تتحملها، وأنه لا يجوز ببساطة إسناد العائد إلى الكيان المالك قانونيًا دون اعتبار ملكيته الاقتصادية الفعلية.
الأصول غير الملموسة ذات القيمة الصعبة التحديد
عالجت الإرشادات أيضًا ما يُعرف بـ الأصول غير الملموسة ذات القيمة الصعبة التحديد (HTVI)، وهي الأصول التي لا تتوفر لها مقارنات خارجية موثوقة، وتكون توقعات تدفقاتها النقدية المستقبلية غير مؤكدة عند تاريخ التقييم. تسمح الإرشادات للسلطات الضريبية باستخدام نتائج الأداء اللاحقة (ex post) كأداة لتقييم مدى ملاءمة التسعير الأصلي لهذه الأصول. ويهدف هذا النهج إلى تعزيز الاتساق وتقليل مخاطر الازدواج الضريبي في بيئات العبر وطنية.
خدمات داخل المجموعة وتخصيص القيمة
توضح إرشادات OECD نهجًا محسنًا لتسعير الخدمات المقدمة بين الشركات المرتبطة، حيث يجب أن يتسق التسعير مع القيمة الملموسة التي يحصل عليها المتلقي. ويعني ذلك أن الفوترة على أساس إعادة شحن التكاليف فقط ليست كافية ما لم تُظهر الدراسة أن الخدمات المقدمة توفر منفعة اقتصادية حقيقية، وأن المقابل يتماشى مع القيمة السوقية الحقيقية للخدمة. وهذا يتطلب دمج الواقع التشغيلي والنشاطي في نماذج التسعير والتحليل.
الاتساق بين التوثيق والممارسة التجارية
تؤكد الإرشادات على أهمية التوثيق والاتساق بين سياسات التسعير التحويلي والممارسات العملية للشركة. يجب أن تعكس الوثائق بما في ذلك الملفات الرئيسية، والملفات المحلية، وتقارير كل بلد التحليل الاقتصادي الذي يقف وراء القرارات المتعلقة بالتسعير. وهذا يتماشى مع أعمال BEPS ١٣ التي تهدف إلى تعزيز الشفافية وتمكين السلطات الضريبية من تقييم المخاطر بشكل أفضل. يسهم هذا الاتساق بين السياسة والتطبيق في تبرير قرارات التسعير وضمان قابلية التنبؤ وتقليل المنازعات الضريبية.
تطبيق المبادئ في الاقتصادات الناشئة
في مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك مصر، تتزايد رقابة السلطات الضريبية على السياسات التحويلية في المجموعات متعددة الكيانات، خصوصًا في قطاعات الصناعة والتحويل والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. إن اعتماد إرشادات OECD يساعد في تقليل انتقال الأرباح وتآكل القاعدة الضريبية، ويعزز التعاون الضريبي الدولي واندماج أنظمة الضرائب عبر الحدود. إن تضمين هذه الإرشادات في سياسات الشركات يتطلب إجراء تحليلات FAR دقيقة، وتوثيقًا شاملاً للجوهر الاقتصادي، وتبريرًا لوصولات التسعير استنادًا إلى خلق القيمة وتخصيص المخاطر. كما تسهم مبادرات الشفافية مثل تقارير كل بلد في زيادة التوازن المعلوماتي بين المكلفين والسلطات الضريبية، مما يسهم في تحسين كفاءة الإدارة الضريبية.
الخاتمة
توفر إرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إطارًا أكاديميًا وعمليًا شاملاً لتقييم ما إذا كانت الأسعار التحويلية تعكس خلق القيمة الفعلي. ومن خلال ترسيخ تحليل التسعير التحويلي في الجوهر الاقتصادي عبر تحليل الوظائف والأصول والمخاطر، والمعالجة المناسبة للأصول غير الملموسة، والامتثال لمبدأ القيمة السوقية، ومتطلبات التوثيق الصارمة تجمع الإرشادات بين الأسس النظرية والتطبيقات العملية. إن الامتثال لهذه المعايير يدعم الأهداف المعيارية للعدالة والشفافية، بالإضافة إلى توفير بيئة ضريبية أكثر استقرارًا وتقليل النزاعات. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تُنظر الأسعار التحويلية ليس كأهداف رقمية مجردة، بل كأداة تعكس المكان والكيفية التي تُخلق بها القيمة الحقيقية داخل المؤسسات المتعددة الجنسيات.
للرد على اي استفسار قم بملء النموذج او تواصل معنا على info@eg.andersen.com